• الأحد 21 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر12:24 م
بحث متقدم

من ينتصر؟.. الأزهر والفاتيكان...أم داعش العنصرية والكراهية؟

مقالات

ساحة العلاقات المتشابكة بين الإسلام والغرب لم تهدأ لحظة واحدة، فهي في بعض الوقت تشهد حوارا هادئا ولطيفا، وفي البعض الآخر صراخا وحشرجة حناجر مليئة بالغضب وتبادل الاتهامات، وأحيانا أخري صراعا عسكريا صريحا، وأحيانا يأخذ شكلا مموها مكتوما يرتدي أثوابا مدنية، لكنه يحاول هز القواعد وخلخلة البنية ومحاولة تحريك الثوابت بالتغيير أو بالتحوير وأحيانا بالتزوير عن طريق الوكلاء والعملاء والأذرع الثقافية.
هذه الاحتكاكات المتعددة بين نعومة وخشونة وبين غضب ورضا، أوجدت في الواقع نوعين من الخطر دخلا معا على خط المواجهة تهديدا لأمن الشعوب والسلم الاجتماعي، ولا يقل أحدهما عن الاخر في تطرفه وتعصبه وحماقة سلوكه، واستباحته للآخر ثقافة وحضارة وتاريخا وحتى إنسانية وكرامة. أحدهما العنصرية التي تنمو بسرعة ويزداد أعداد المنتسبين إليها كل يوم، والأخر هو داعش. 
الخطر ذو الوجهين "داعش  والعنصرية" لم ينشأ من فراغ، وإنما تغذت جذوره ونمت من كتابات برنارد لويس وتلاميذه من أمثال دانيال بابيس وصموئيل هنتنتنجنتون وتوماس فريدمان الذي كان مراسلا لصحيفة نيويورك تايمز وقدم مقالا نشر في جريدة التايمز في أكتوبر 1990 لم يكتف فيه بتقليد برنارد لويس في كراهيته للإسلام ، بل أكد مع مجموعة أخرى من أصحاب نفس التوجه اليميني المتصهين في المقالات الصحفية والمحاضرات العامة واستغل مناسبات الظهور في الإعلام ليؤكد طوال التسعينيات من القرن الماضي على أن النزعة الإسلامية قد حلت محل الشيوعية باعتبارها الخطر الأكبر على الغرب وإسرائيل،  واقترح: أن اجتثاث هذا الخطر لا يكون إلا بموقف عدواني حازم بما في ذلك استخدام القوة العسكرية.
 هذه الدعوات لا تكشف فقط عن نزعات الشر وإنما تمنحها مبررات فلسفية محملة بنظرية الصراع بين جنس متفوق وأجناس أخرى دونية، وقد يتساءل البعض: لماذا يوجد هذا الإحساس لدى الغرب؟ 
 الإجابة الأولية بسيطة وسهلة تكمن في الرغبة الدفينة لإشكالية التحيز لدى بعض المفكرين والتي تدفعهم دوما للعمل على تقوية الأقوى وإضعاف الأضعف. 
لكن الإجابة الصحيحة والكاملة صعبة، وتحتاج بحثا في الموضوع، يتعدى إمكانيات وجهد الأفراد ويجب أن تقوم به مؤسسات أبحاث نزيهة لا تخضع لنفوذ الممول، تستحضر من خلاله حجم المصالح وروح الاستعمار، والرغبة في التفرد بقيادة العالم لجنس بعينه، وجشع وتوحش الرأسمالية ورغبتها المستمرة في صناعة بؤر ومناطق للصراع وهذا جهد يفوق طاقة الأفراد مهما كانت قدراتهم ويتطلب تفرغا في مؤسسات بحثية لدراسة ظوهر ومظاهر ما تنتجه مصانع الكراهية ومصادرها من أكاذيب تجاه الإسلام والمسلمين.
 النماذج السابقة لهذا الفكر المعتل بالتعصب والكراهية ، والمسكون دائما بالرغبة في تشويه الإسلام وحصار أتباعه،  تشكل مساحة سلبية في العلاقات بين الإسلام والغرب، وهي ـ مع شديد الأسف ـ الأعلى صوتا والأكثر ضجيجا والأقوى تأثيرا، الأمر الذي يزيد من قتامة الصورة وكآبة المشهد، ويرفع من حجم التوجس والخوف على مستقبل العالم من جنون الراديكالية حين يتنازعها طرفان التعصب والعنصرية من جهة، والإرهاب الأعمى الذى تمارسه بعض الجماعات والتنظيمات ، بالإضافة إلى إرهاب الدولة من جهة أخرى، وهو إرهاب خبيث ومسكوت عنه يستثمر إرهاب التنظيمات ويستثمر فيه ، وتلك حالة من سوء المنقلب للدنيا تجعل العدوان على حياة الناس بكل أساليب الموت هو الخيار الأفضل لطرفي الجنون الأحمق. 
من الأسباب التي تغرى بالجنون الأحمق وتغذيه وتغرى بالمزيد منه والتجاوز فيه ضعف الطرف الآخر وفقدانه لوسائل الدفاع عن نفسه وحماية ذاته الثقافية والحضارية، ، وهذه الحالة يصاحبها عادة نوع من التراجع والانحسار والعجز عن التأثير في الواقع، لتقف الأمة موقف المفعول به المنصوب لتلقي السهام، وفي أخص خصوصياتها وخصائصها. 
وهناك تحالفات غير أخلاقية لصالح الأقوياء ضد الضعفاء تغيب فيها أبسط مبادئ الإنسانية، وانتهاكات لآدمية البشر بشكل مخيف، وتغييب كامل للقوانين الأممية، وتسهيل مهمة من ارتكبوا المجازر وجرائم الحرب وجرائم في حق الإنسانية لارتكاب المزيد وللهروب من العقاب. 
إحباط شامل على جبين العالم، وفشل فاضح لقياداته السياسية وبخاصة في منطقة الشرق الوسط، بينما في الغرب تزداد العنصرية وتكشف عن وجهها القبيح المترع بالكراهية للمواطنين المسلمين المقيمين منهم والمهاجرين، لمجرد أنهم مسلمون.
غير أن المتفائلين ومعهم المؤمنين بانتصار الخير على الشر لهم رأي آخر يتسم بالإيجابية ويحمل بريقا من أمل جديد حيث يرون أن الأمة في نهاية النفق المظلم،  وقد أوشكت علي الخروج منه ، وستبدأ في التعافي من آثاره المرة ، ومن ثم فهم يتطلعون إلى دور جديد لحماية العالم من هذا الشر تبادر وتبعث به إلى الوجود قيادات جديدة ترى المصالحة والتوافق هي السبيل الوحيد للتعايش بين الأمم حيث يستحيل علي أي طرف محو الطرف الآخر من الوجود،  وهذ الأمل المعطر بالأمنيات الحلوة للمتفائلين ربما تقويه وتغرى بقرب تحقيقه إقدام قيادات روحية لها ثقلها ومكانتها العلمية عالميا في مقدمتها الأزهر والفاتيكان، وكان العالم قد شهد منذ مدة قصيرة لا تزيد عن عامين لقاءً محملا بعمقه التاريخي ووزنه الثقافي وثقله العلمي وتأثيره الروحي بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان،  فالأزهر كمحضن لعلوم الدين - لغة وثقـافة وحضارة- بدأ في حوار هادئ غير مسموع بعد، مع الفاتيكان بثقله الديني والروحي، ومكانته وإمكاناته السياسية. 
ثم توجت هذه الجهود الخيرة بمؤتمر عن الحرية والمواطنة عقد في قاهرة المعز 
في الفترة من 28 فبراير: 1 مارس 2017، والذي يحمل "إعلان الأزهر للعيش الإسلامي المسيحي المشترك، وهناك  لقاء قريب منتظر  بين الطرفين في القاهرة أيضا ومن ثم فقد تحققت خطوة كبيرة في سبيل توطيد مكانة الحوار وتثمين دوره في التقارب والتفاهم وتقريب وجهات النظر، حيث اجتمعت قمة المكان بالاعتبار الجهوى والجغرافي، والمكانة بالاعتبار العلمي والثقافي في العالمين الشرق والغرب،  وهذا في حد ذاته مكسب كبير لعالم الخير والأخلاق والقيم ـ  إذا أحسن توظيفه واستثماره في الضغط على مراكز القرار باتجاه تغليب السلم العام والسلام العالمي ، والكف عن تخويف المجتمع بهاجس الأمن لتمرير أهداف أخرى، والتلويح دائما بمحاربة الإرهاب وامتهان معناه في إدراج كل خصوم النظام في قوائمه لتكريس الدكتاتوريات وخنق الحريات وإحكام قبضة الاستبداد على كل شيء،  وإسكات كل صوت مخالف، الأمر الذي يتطلب إيجاد البدائل التي تحمل في رؤوسها عقولا تفكر وقلوبا تنبض بالرحمة وليس غرائز ذئاب ووحوش تنطلق بلا حدود أو قيود.  
دواعش العنصرية والكراهية لا ينحصرون في برنارد لويس وتلاميذه في الغرب فقط، فقد كون هؤلاء جذور العنصرية، غير أن شجرة الزقوم نمت أغصانها لتشمل مؤسسات ومنظمات مثل بيغيدا إلألمانية ومؤسسها طباخ يدعى (لوتز باخمان) والمنظمة المنشقة عنها "ليغيدا" وهي الحركة الأكثر تطرفا، وشخصيات في مراكز القرار أو في الطريق إليه مثل بولين هانسون في استراليا وخيرت هليدرز في بولندا، ويتقدم هؤلاء مؤخرا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه، وهناك غيرهم في لعبة صناعة العداء ضد الإسلام والمسلمين في الغرب. 
كما ينضم إليهم في داخل مجتمعات المسلمين ويدخل معهم - لكن من باب الخدم- عبيدهم ومواليهم ممن يأكلون على كل مائدة،  وينوحون في كل مأتم ،ويرقصون في كل فرح، وهؤلاء كانوا يظنون أن الأزهر أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء ، فلما رأوه يتحرك في الجانب الإيجابي بجسارة واقتدار،  وأن شيخه يملك بقوة منطقية أن يضع النقاط على الحروف ، وأن يكشف ازدواجية المعايير في الغرب حين يتعامل مع الإسلام، وأنه يشطب من قوائم الإدانة ممارسات عنف لآخرين ويغض الطرف عنها ، بينما يستبقي الإسلام وحده في قفص الاتهام،  هنا علا صراخهم وهذيانهم وسخافاتهم بعدما تلقوا إشارات الهجوم. في مصر والعالم على الأزهر وشيخه وبشكل رخيص فراحوا يطالبون بتهميشه وإسكات كل صوت له واستقالة شيخه.
ترى ... من ينتصر؟، هل تنجح العنصرية والكراهية ومعهم داعش؟ 
علما بأن الإرهاب كفكرة بوحشيته وتحجره وجهله المتزمت وقدرته الهائلة على خلق أعداء له تعيش منذ بدأت خارج التاريخ، ولأنها تصنف الناس بين مؤمن بها تابع لها ومؤيد لفكرتها، وبين كافر مستباح الدم حتى بين أهله ولو كان من كبار علماء الإسلام لأنه يخالفها الرأي والمنهج ولأن فكره أشد عليها من رجال المباحث والمخابرات كما تصرح في رسائلها المسجلة.  
ولأن طبيعة الإسلام الذي يدعيه الإرهاب ويختطف شعار دولته ينفي خبثه، فأحسب أنها عما قريب ستخرج أيضا من الجغرافيا كما خرجت من التاريخ. 
بقيت العنصرية والكراهية في ساحة الصراع تجيش الناس ضد كل ما هو إسلامي. ولأنها نشأت في مجتمعات تكونت من تعدديات ثقافية وعرقية وحضارية مختلفة تناقض فكرتها وتتنافي مع تدعو إليه، فهل ستسقط نفسها بنفسها وتهزم فكرتها بحماقاتها ضد المهاجرين؟.
وهل تكفي الأمنيات الحالمة والنوايا الحسنة لينجح صوت الضمير والعقل ممثلا في الأزهر الشريف والفاتيكان ومعهم كل شرفاء العالم؟ 
 من يعرف الإجابة فليخبرنا ............وله منا كل التقدير والحب. 


المفتي العالم للقارة الأسترالية

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • عصر

    02:56 م
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:22

  • عشاء

    18:52

من الى