• الثلاثاء 20 فبراير 2018
  • بتوقيت مصر01:38 م
بحث متقدم
في ذكرى مئوية ميلاد عبد الناصر:

الدجاجة المنتوفة

وجهة نظر

مصطفى جمعة
مصطفى جمعة

د. مصطفى جمعة

أخبار متعلقة

"انتف ريشها ، وانثر لها الشعير ، وستلحق بك " ، تلك الحكمة التي توارثها الطغاة من الدكتاتور السوفيتي " جوزيف ستالين " . والحكمة تختص بعالم الطيور وعلى الأخص: الدجاج ، ولكن الدلالة منفتحة لكل ذي بصيرة ولب . 
   بالطبع تتساءل ، ما قصة الدجاجة ؟ وماذا عن ريشها وشعيرها ؟ 
والإجابة تحيلنا مرة ثانية إلى الدكتاتور ستالين ، الذي أفنى الملايين من الشعوب المنضوية تحت الحكم السوفيتي الشيوعي، عندما ثارت أو تمردت ، فكان جزاؤها : سحقا عسكريا ، وتهجيرا قسريا ، إلى مجاهل سيبيريا ، فمن ظن منهم أنه ناج  من الموت خلال الترحيل ، فلن ينجو من الصقيع . 
    تقول القصة : طلب ستالين دجاجة حية ، وأمسك بها بقوة بيدٍ ، وشرع في نتف ريشها بيده الأخرى ، حاولت الدجاجة – دون جدوى –التملص من يده ، فظلت تصدر نقيقها الحزين ، حتى نتف ستالين ريشها بالكامل، ثم قال لمن حوله : "الآن ترقبوا ماذا سيحصل". فانتبهوا متعجبين . وضع ستالين الدجاجة على الأرض، وابتعد عنها ،وبيده قليل من الشعير، ففوجئ الجميع وهم يرون الدجاجة عارية الريش  تركض نحوه وتتعلق ببنطاله ، فرمى لها بعض الحبوب ، وابتعد، وراح يتنقل في أرجاء الغرفة ، والدجاجة تتبعه أينما ذهب طامعة في المزيد من الحبوب . ساعتها التفت ستالين إلى رفاقه المذهولين، وقال بهدوء :" هكذا يمكن حكم الشعوب ".
*****
   من القصة السابقة ، نستخلص نظرية بسيطة مفادها : جوّع شعبك يتبعك . وبالطبع المثال محور عن المثل الشهير عن الكلب . إلا أن ستالين كان مبدعا ، فقد علّم الطغاة مرحلة ما قبل تجويع الشعب ، ألا وهي نتف ريشه  ، والتي تعني ببساطة : جرّد الشعب من قواه المادية ، ونخبه الفكرية والعلمية ، وشخصياته القانونية ، ثم احكمه ، وستجده يتبعك ، ويتمنى وجودك ، وإن كرهك . 
*****
وإذا طبقنا هذه النظرية على الزعيم " عبد الناصر " ، الذي تغنى به - ولا يزال - كثيرون، سنجد أنه طبقها حرفيا وزاد وأبدع ، وترك في النهاية شعبا خائفا ، يتبع الزعيم وإن كان مهزوما ، ويتسامح معه وإن كان مفرِّطا ، فلا يعرف غيره حاكما . فقد نجح " ناصر " في القضاء على كل منافس له سابق أو حاضر أو قادم ، فيما يسمى عملية الإخصاء السياسي . فلا تتعجب من خروج الجماهير في أعقاب خطاب التنحّي الشهير هاتفة : لا تتنحى ، لا تتنحى . 
 فهي لا تعلم حجم الكارثة/ الهزيمة التي ألمّت بالشعب والوطن في يونيو 1967م وتتمثل في : فقدان تسعين بالمئة من عتاد الجيش ، ثلاثون ألف شهيد ، ضياع سيناء كلها وقطاع غزة . لقد وجدت الجماهير نفسها بلا رأس ، ولا تعرف رأسا غيره ، فخرجت بعاطفة لحظية ، تنادي ببقاء الزعيم المفدَّى ، وتطالبه بالعودة إلى كرسي الرئاسة، علما بأنه المسؤول الأول عن الهزيمة ، ولابد من محاكمته . 
*****
    تم انقلاب 23 يوليو 1952م ، وتولى الضباطُ الأحرار الحكم ، فألغوا الملكية ، وأعلنوا الجمهورية ، وتملك الشعب مشاعر جياشة نحو المستقبل وهو لا يدري أن  المراحل الأولى لنتف ريش الوطن ستبدأ .  فقد قبل عبد الناصر من الإنجليز ما رفضه الملك فاروق من قبل ، الذي قال : تُقطع يدي ولا تقطع السودان . وبالفعل قُطِعَ السودان ، ثم تواصل تمزيق أرض الوطن ، لينال العدو الصهيوني في العدوان الثلاثي عام 1956م جزيرة أم الرشراش ، ويقيم عليها ميناء إيلات ، وسكت ناصر بالطبع. وفي عام 1967م ، استكمل العدو بقية المهمة .
 وكانت المحصلة على النحو الآتي: ورث عبد الناصر الوطن من الحقبة الملكية : مصر والسودان وغزة ؛ وتركه عند وفاته : مصر بلا سودان ، ولا سيناء ، ولا غزة . 
   ملحوظة : د. عبد العظيم رمضان (مؤرخ ثورة يوليو المعروف ) في كتابه "وثائق ثورة يوليو " ( الهيئة المصرية العامة للكتاب )؛ نشر في كتابه وثائق دامغة تثبت تنسيق الضباط الأحرار مع السفير الأمريكي والبريطاني في القاهرة ، لما تم ليلة 23 يوليو من انقلاب عسكري ، وكان أبرز دليل لهذا بقاء القوات البريطانية الموجودة في قاعدة قناة السويس على الحياد ، وهم يرون خلع الملك .
*****
  تمثّل النتف الثاني من ريش الوطن في تغييب الطبقة السياسية المتكونة مع الحقبة الليبرالية أيام الملكية ، بدعوى أن كل الأحزاب فاسدة وصولية ، فتساوى حزب الوفد وزعماءه وسياسييه ، مع الأحزاب المدعومة من القصر والإنجليز ، فلم يتم الفرز لهم، وإنما العزل السياسي للجميع : الصالح والطالح ، المحنك والساذج، وصار الوطن بلا عقول سياسية ولا زعامات ، فقط مجموعة شباب الضباط الأحرار، الذين اغتروا بالسلطة ، ونكثوا في وعودهم فلم يعودوا لثكناتهم . ومن ثم استدار عبد الناصر إلى رفاقه الضباط ، فتخلص منهم تباعا : إما بتدجينهم بالمناصب ، أو نفيهم أو عزلهم ، وتبقى الزعيم المفدى يخطب وحده ، ولا يرى في الزعامة غيره . أما الشعب المسكين ، فلم يكن لديه إلا إعلام السلطة الوحيد والأوحد ، فانخدع كثيرون به، وغابت الحقائق ، وإن ظل العقلاء على قناعاتهم . 
وتمثلت المفارقة عند تشييع جثمان مصطفى النحاس باشا ( زعيم الأمة الوفدي ) في 23 أغسطس 1965، فقد خرجت الجماهير لتوديعه ، ليصاب عبد الناصر بالصدمة ؛ وهو يشاهد امتلاء ميدان التحرير عن آخره ، وامتدت الحشود إلى ميدان مصطفى كامل ، ولم يعرف نهاية للجنازة حسب الشهود .  فقد كان الشعب متعطشا لزعيم حقيقي ، خرج من ترابه ، وقاد نضاله ، ولم يفرط في حقوقه . 
أيضا ، فإن كتب تأريخ ثورة يوليو الموضوعية ترصد تسريح مئات الضباط من قيادات الجيش إلى مناصب مدنية ( أي تفريغ الجيش من الكفاءات ) ، خوفا من أي تحركات معادية منهم ، وكان هذا أحد أسباب هزيمة 1967م . 
*****
   خرج أستاذ التاريخ د. عاصم الدسوقي ، في قناة فضائية مصرية ، وتغنّى بأمجاد الناصرية . فتعجب  المذيع وأخبره على استحياء أن عبد الناصر كان دكتاتوريا ، فأجاب الدسوقي بثقة : هناك عشرة بالمئة أو عشرين بالمئة تضرروا من عبد الناصر، ولكن بقية الشعب كانت معه ، فهل نقيس الكثير على القليل ؟!
   ونقول إن العبرة ليست بالنسبة العددية للشعب ، وإنما بنوعية النسبة نفسها . فبعيدا عن تغييب النخبة السياسية ، كان هناك تغييب لبقية النخب : القانونية أولها ، ويكفي ما حدث للفقيه القانوني الأشهر عبد الرزاق السنهوري باشا ، عندما لُطِم على وجهه من أحد الضباط الأحرار ، في مجلس الدولة ، لأنه طالب بتفعيل الدستور . 
  وطيلة حكم عبد الناصر ، كانت هناك إعلانات دستورية مؤقتة صادرة عن الرئيس والزعيم ، وافتقد الوطن لدستور دائم ، وبالطبع فإن الإعلانات كانت على مقاس الزعيم . 
 ولم يكتفِ ناصر بتدجين القضاء المدني ، فتم تحويل السياسيين إلى القضاء العسكري ، الخاضع لسلطته المطلقة ، وكان القضاة هم ضباط يوليو أنفسهم . 
ملحوظة أولى : كان جلّ المعتقلين السياسيين من نخبة أساتذة الجامعات ، والمفكرين، والباحثين ، ولعل أبرزهم : عالم الرياضيات الشهير عبد العظيم أنيس (ماركسي ) ، والطبيب أحمد الملط ( إخوان مسلمين ) ، من أشهر أطباء القلب في العالم ، وقس على ذلك الآلاف المؤلفة . أما من تبقّى خارج السجون ، فقد آثروا الصمت ، وركنوا إلى الخوف ، ففقدت الأمة نخبتها : سجنا أو قتلا أو هجرة أو نفيا.
ملحوظة ثانية : كان الاعتقال موجها لكل مَن هو مختلِف مع السلطة ، أيا كان نوع الاختلاف ، فاجتمعت التيارات السياسية في السجون ، بعدما تفرقت خارجها.
*****
 لم تفرق قرارات التأميم والإصلاح الزراعي بين ذوي الكفاءة الفاسدين ، فتم تأميم الشركات الكبرى والمصانع والمتاجر ، والأراضي الزراعية . أي تم تجريف الوطن من مبدعيه الاقتصاديين والتجاريين والهندسيين والزراعيين ، الذين هاجروا أو ماتوا كمدا . ثم فوجئ الناس بتولي شخصيات عسكرية قيادة هذه الشركات والمصانع . وفي إحدى ندوات بيروت عن تقييم الناصرية ، قال أحد المشاركين : لقد أراد عبد الناصر أن يجعل الشعب موظفين، ينتظرون الراتب في نهاية الشهر ، فصار  الناس جميعا يفكرون في الوظيفة ، وتكونت طبقة موظفي الدولة والحكومة ، وما تبعها من فساد الجهاز الإداري ، وبيروقراطية السلطة ، وفساد نخبتها الحاكمة . وبعبارة أخرى : قضى عبد الناصر على سلطة كونت غالبية ثرواتها بكدها واجتهادها وإبداعها، ليكوّن سلطة جديدة، تابعة له ممثلة في ضباط سابقين ، وموظفين تابعين.
*****
عليك إذن أن تستحضر نظرية الريش المنتوف ، وتتساءل : ماذا أبقى عبد الناصر للوطن؟ وتكون الإجابة : أبقى له : شعارات وتنظيرات تتغنى بالاشتراكية والقومية العربية . صحيح أن هناك طبقات دنيا استفادت منه ، ولكن نشأت طبقات أخرى طفيلية وانتهازية ، وتم تجريف نخبة الوطن الفكرية والسياسية والاقتصادية ، ناهيك عن منظمات المجتمع المدني ، فهل كان من اللازم إخصاء الوطن ونخبته لتستمر الثورة المزعومة ؟
    والمحصلة أن الشعب أصبح: دجاجة منتوفة ، تركض من أجل حبات الشعير .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تنجح الحملة «سيناء 2018» فى القضاء على الإرهاب؟

  • عصر

    03:25 م
  • فجر

    05:13

  • شروق

    06:37

  • ظهر

    12:14

  • عصر

    15:25

  • مغرب

    17:51

  • عشاء

    19:21

من الى