• الثلاثاء 20 فبراير 2018
  • بتوقيت مصر01:40 م
بحث متقدم

عمل المرأة ونداء المجتمع

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

أخبار متعلقة

مازال المعترك قائمًا في بيت الزوجية، حول عمل المرأة والسماح لها بالخروج لتقول: ها أنا ذا، وتؤدي دورها في المجتمع، وتثبت ذاتها، وتشعر بكيانها في الحياة.
ونظرًا للظروف المادية القاسية التي يُعاني منها المجتمع، وتعاني منها الأسرة، فإن الزوج بنفسه هو من يقوم للبحث لزوجته عن عمل، ويتمنى لها أي وظيفة تدر عليه ولو قليلًا من المال، يساعده على شقاء العيش وغلاء الحياة، ولا يرى في ذلك أي نوع من الحرج، ولا يفكر فيه أساسًا، لأن لسع المادة يكاد يعمي عينه وتفكيره.
ولكن.. مهما قست الظروف واشتدت الأزمات المادية على بيت الزوجية، فإن فكرة عمل المرأة لا تقبل مجرد الطرح أو التفكير فيها، لو كان الزوج من هؤلاء المفرطين في غيرتهم على زوجاتهم، والتي تسوقه لتحريم كثير من الحلال وتغليب العادات والتقاليد، على ما أجازه الشرع وأباحه، ولم يثبت فيه أي حرج شرعي.
وحينما يقوم الزوج بمنع زوجه من فرصة عمل أتيحت لها، فإن الزوجة تشعر هنا بكبت كبير، وقهر لا حدود له، وتتخيل نفسها تعيش مع إنسان يريد قمعها، ولا يقدر وجودها ولا يحترم كيانها، ولا يعتبر أنها إنسانة لها كثير من الحقوق المقررة في هذه الحياة، والتي أولها أن تنتج وتنجز وتبدع.!
ولعل هذه النوعية من الأزواج، نوعية ظالمة طاغية قاهرة، وكره الزوجة لزوجها، ينشأ أول ما ينشأ حينما ينسى هذا الزوج بأن زوجه إنسان، ويجب معاملتها بأنها إنسان، بالحوار والرفق والتفاهم والقناعة والرضا.. فإذا تخلى عن هذه المحاور، فقد جلب لنفسه كثيرا من المشكلات التي تحول بيته إلى بيئة جافة سبخة تموت فيها جذور المحبة والوداد، فالزوجة حزينة تُعاني صِراعًا نفسيًا، ولا تجد من يشعر بها.
ونقول لأمثال هذا الزوج: اتق الله فيمن تعول، واتق الله في دينك أولا حينما انتهز أعداؤه هذه الأخلاق المتنطعة، والتحكمات المتشددة، وجعلوا منها فرصة للطعن فيه وتشويه حقائقه السامية، والادعاء الظالم بأنه يهين المرأة، ويقهر المرأة، ويكبت المرأة، ومهما حاولنا أن نثبت عكس ذلك جاءت تصرفاتك كحائط الصد الذي يرد كل ما نقدم من حجج وبراهين، فالمرأة تحت يديك تئن وتتألم وتتعذب.
المرأة ليست شيئًا ضروريًا في الحياة.. وإنما هي نصف الحياة.. ولابد أن تنال حقوقها ونُقر لها كيانها.. وأتعجب أننا في القرن الحادي والعشرين، وما زلنا نتوسل للرجل أن يحترم المرأة وأن يرتقي في علاقته بها ويحسن تعاملها! 
لقد عظم الإسلام من شأن المرأة وأكبر مكانتها، ولفت إلى دورها الهام والرائد في نهوض الأمة وصنع مستقبلها.. ثم كان لها حضورها الملموس والمشهود في كل قضايا ومشكلات المجتمع، بل كانت تخرج للجهاد الذي هو أشد الأعمال واشق الواجبات، والتي لا يقوى عليها إلا الرجال، فكانت تداوي الجرحى، وتناول النبل وتعد الطعام والسلاح، وتشحذ همم الجنود الأبطال، وربما تقاتل في أحيان كثيرة، وكان لها رأيها الحكيم الحصيف، الذي ربما فاق آراء الرجال في رشده وتعقله.. ولو أننا راجعنا سيرة النبي r لوجدنا هذا التمثيل قائم في مشاهد كثيرة، ولتعلمنا مما نقرأ كيف رفع هذا الدين مكانة المرأة وأعزها؟.
ربما يكون الزوج محقًا لو كان عمل المرأة الذي ترشحت وانتخبت له، يفرض عليها أن تحتك بالرجال بصورة فجة مبالغة.. أو أن تكون البيئة التي تعمل فيها، بيئة غير آمنة لا تحفظ كرامتها أو تصون شرفها.. وربما كذلك يعود عمل المرأة، بكثير من الضرر على بيتها وأسرتها وأبنائها الذين يحتاجون للرعاية والإطعام والتربية والشعور بكثير من الحنان والأمان الذي تملكه الأم روافده ومنابعة.. وهنا يجب أن تقف الزوجة مع نفسها وقفة صادقة، وتتأمل حالها ومصير أسرتها، وأن تدرك بما لا شك فيه أن وظيفتها الكبرى والأولى، هي بيتها، والذي ليس مجرد وظيفة أو مهنة وإنما هو رسالة وغاية.
وليس في تصورينا للبيت بأنه الوظيفة الكبرى، أي عدوان أو تجن على المرأة وحقوقها، ولكنه تأكيد لدورها الكبير، وانحيازُ لمهمتها السامية، وتصحيحٌ لمسارها القويم، ولفتٌ لانتباهها لما يجب أن يقع عليه اختيارها.
وقد تشعر بالتضحية والحرمان، ولكنه سيكون شعورًا زائفًا لو تأملت مسؤوليتها الجسيمة ودورها الفذ في مستقبل الأمة، والذي إن شعرت بمكانتها فيه؛ فإنه يتضاءل أمامه أي شعور آخر، وليس من المعقول أن تُجافي الأم فطرتها فتخرج إلى سوق العمل وميدانه فتشغل المناصب، وتحتل المواقع التي تأخذ كل وقتها واهتمامها بينما أبناؤها في البيت مهملون يفقدون الرعاية والاهتمام، فإن استطاعت أن تمنحهم ما يحتاجون، فأهلا بها ونعمت، وإن لم تستطع فقد ضيعت وفرطت في أمانتها الكبيرة.
وهذه زوجة رائد الفضاء الأمريكي د. (دون ليزي ليند) وتدعى (كاتلين ليند) تقول: (إنني أقضي معظم وقتي في البيت، وكسيدة فإنني أرى أن المرأة يجب أن تعطي كل وقتها لبيتها وزوجها وأولادها، ولازلت أذكر حديثًا لأحد رجال الدين ردًّا على سؤال أحدهم: إذا كان مصير المرأة بيتها فلماذا إذن تتعلم؟ فقال يومها لصاحبه: إذا علمت رجلاً فإنك تعلم فردًا، وإذا علمت امرأة فأنت تُعلم جيلاً أو أمة..)
ثم تقول: (وأنا مسرورة جدًّا من بقائي في البيت إلى جانب زوجي وأطفالي حتى في الأيام العصيبة – وأقصد الأيام التي كنا في حاجة فيها إلى المال – لم يطلب مني زوجي أن أعمل وكانت فلسفته أننا نستطيع أن نوفر احتياجاتنا الضرورية لكننا لا نستطيع أن نربي أولادنا إذا أفلت الزمام من بين أيدينا)
إن الأم المعاصرة فقد شُغلت اليوم بقضايا تحرر المرأة وعمل المرأة وشخصية وكيان المرأة، شغلها كل ذلك عن بيت المرأة، أكبر وأهم حقيقة في حياتها، أضخم وأجل رسالة تُقدمها لأمتها ووطنها ومجتمعها.
ولعل قصة ابنتي شعيب عليه السلام مع موسى عليه السلام، توضح بجلاء موقف الإسلام الكلي والشامل من مسألة عمل المرأة، قال تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ? قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ? قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى? يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ? وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)
وبتأمل الآية المباركة نجد ما يلي:
1- في قولهما: أبونا شيخ كبير، إنما يسوقان علة خروجها من البيت، ويوضحان السبب الذي دعاهما للعمل، وهو عجز أبيهما وكبر سنه.
2- لا نسقى حتى يصدر الرعاء، أي لا نزاحم الرجال، أو نحتك بهم ونعرض أنفسنا لما يضرنا، وإنما كان هناك شيء من التحفظ والتمنع الذي يحفظ مقام المرأة 
3- ثم يأتي موقف موسى عليه السلام والذي يمثل موقف المجتمع الإيماني تجاه المرأة، والذي عليه أن يُحافظ عليها ويُنجز لها أمورها ومهماتها
ومن ثم.. يتبين لنا أن خروج المرأة للبيت لأحد أمرين أن تكون معذورة لا عائل لها ثم تخرج على قدر الضرورة الملحة، وليس في هذا أي تضييق وإنما المراد أن يتم الحفاظ عليها وصيانتها من أي ضرر يلحق بها..

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تنجح الحملة «سيناء 2018» فى القضاء على الإرهاب؟

  • عصر

    03:25 م
  • فجر

    05:13

  • شروق

    06:37

  • ظهر

    12:14

  • عصر

    15:25

  • مغرب

    17:51

  • عشاء

    19:21

من الى