• الأربعاء 19 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر02:04 ص
بحث متقدم

قابيل وهابيل.. من هنا بدأ التسويق

وجهة نظر

عبدالله ظهري
عبدالله ظهري

د. عبدالله ظهري

سأعود بكم الى بداية الحياة على الأرض..آدم وحواء.. وقابيل وهابيل..كانت حواء هي البذرة وآدم هو الغرس، كانت حواء تلد كل مرة إبناً وبنتاً..قيل أنها ولدت مائة وعشرين مرة.. وكان مشروعاً  زواج الأخ من أخته.. يتزوج إبن البطن الأول من بنت البطن الثاني..وهكذا..أراد هابيل أن يتزوج أخت قابيل، إلا أن قابيل أراد أخته لنفسه لأنها كانت أجمل من أخت هابيل..لحل النزاع أمرهما أبوهما آدم أن يقدما قربانين.. فقدم كل واحد منهما قرباناً.. الأمر أبعد من مجرد قربان..القربان سيكشف صاحبه..مثلما يكشف المنتج صانعه..قابيل وهابيل يعجزا عن إدراك ذلك..وهذا هو المطلوب..المطلوب أن يتصرف كل منهما بطبيعته دون تكلف.. كان هابيل صاحب غنم فقرب واحدة سمينة بينما كان قابيل صاحب زرع فقدم حزمة ضامرة من زرعه.. كان هابيل أكثر إيماناً من قابيل..إيمان هابيل إنعكس على عطائه..وعبر عطاء قابيل عن إيمانه.. في حياتنا الايمان هو كل شئ.. وفي حياتنا إيماننا ينعكس على عطائنا.. تقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل فغضب قابيل وهدد أخاه بالقتل، فأجاب هابيل بأن الله يتقبل من المتقين.. هذه هي أول عملية تبادل واضحة ومباشرة تتم بين طرفين أو أكثر وكانت بين الخالق والمخلوق.. هي عملية تسويق بامتياز لأن التسويق عملية تبادل بالأساس، وعملية التبادل بدأت مع بداية الحياة على الأرض..المنافسة كانت حاضرة بين قابيل وهابيل وأنتصر هابيل لأن ما قدمه لخالقه كان طيباً بينما خسر هابيل لأن نفسه السيئة إنعكست على عطاء يده.. يقول آدم سميث: (لم نر قط كلبين يتفاوضان في أمر اقتسام قطعة عظم..لم نر أبدا أن حيواناً يحاول " إفهام " حيوان مثله، مستخدما صوته أو حركات جسمه، فيقول له: "هذا لي، وهذا لك، سأعطيك مالي مقابل أن تعطيني ما لك")..إذن التبادل هو فعل إنساني في الأساس ومنطق بشري ليس له مكان في الغابة، في الغابة هناك سرقة وإفتراس..التبادل كان هو الحل الالهي لتطور الكون فالانسان حتى يملك أسباب العيش وحتى يستطيع مواجهة أعباء الحياة بل وحتى يسيطر عليها ويستطيع أن يدفعها إلى الأمام فعليه أن يتبادل الأشياء مع الآخرين، وفي التبادل علاقة وإرتباط وتعاون ودعم للقوى والامكانيات ومن ثم تتغير الحياة يوماً عن يوم ويتمكن خليفة الله في أرضه من تنفيذ إرداة الله في خلقه وفي ملكه.. لنتخيل حياة بدأت بلا تبادل وبلا شعور لدى طرف بأنه بحاجة لما يملكه أو يقدمه طرف آخر.. لنتخيل حياة لم تقم على العطاء المتبادل.. هي الموت بعينه.. من جانب آخر فمحاولة خداع الآخر أو إعطائه أقل مما يستحق يعني أن التبادل يشوبه الشوائب وأن العملية برمتها ستفشل لأن هناك طرف يبخس حق طرف آخر، المعنى الآخر حتى تستقيم الحياة وحتى تسير في إتجاه التطور يجب أن يرتقي العطاء وينزع منه الجشع والطمع والظلم، أن يكون عطاءاً عادلاً فالعطاء غير العادل يهدم ولا يبني، أيضاً العطاء يعني أن يدرك من يعطي قيمة المعطى له وإدراك أن ما تقدمه باليمين سوف تحصل عليه باليسار، لا تنتظر أن تقدم القليل وتحصل على الكثير، هذا المنطق يسري فقط على العلاقة بين الخالق والمخلوق فقدرة الخالق وإستغنائه وإدراكه لضعف المخلوق تجعله يرأف به ويقدم له في النهاية أعظم بكثير مما حصله منه.. في الحياة تبادل وفي التبادل حياة.. ولهذا سيظل التسويق أساس الحياة على وجه الأرض وستعاني الأرض عندما يغيب منطق التبادل ويسود منطق الغابة حيث القوة والقهر والسلب والخداع..التسويق يحيا على منطق التبادل وأي عملية تبادل تخلو من شروط التبادل العادلة لا يمكن وصفها بعملية تبادل ولا يمكن بكل تأكيد ربطها بمفهوم وفلسفة التسويق.. التسويق هو فلسفة العطاء المتبادل..إذن التبادل هو سنة الكون وهو الفكرة الأساسية التي عمرت الأرض ومكنت جنس الانسان من البقاء على قيد الحياة. لو خلق الله الانسان مستغنياً عن الآخر سيطغى ولن تسطع الشمس على بشر بل سيرث الحيوان الأرض فالحيوان قادر على الاستغناء، هذا ما يؤكده الفقيه والعالم أبو الحسن الماوردي في رائعته أدب الدنيا والدين " الله تعالى لنافد قدرته وبالغ حكمته.. خلق الخلق بتدبيره وفطرهم بتقديره فكان من لطيف ما دبره وبديع ما قدره أنه خلقهم محتاجين وفطرهم عاجزين ليكون بالغنى منفرداً وبالقدرة مختصاً حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق ويعلمنا بغناه أنه رازق فنذعن بطاعته رغبة ورهبة ونقر بنقائصنا عجزاً وحاجة..ثم جعل الانسان أكثر حاجة من جميع الحيوان لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه والانسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه واستعانته صفة لازمة لطبعه وخلقة قائمة في جوهره ولذلك قال الله ( وخلق الانسان ضعيفا) ..وإنما خص الله تعالى الانسان بكثرة الحاجة وظهور العجز نعمة عليه ولطفاً به ليكون ذل الحاجة ومهانة العجز يمنعانه من طغيان الغنى وبغي القدرة لأن الطغيان مركوز في طبعه إذا إستغنى والبغي مستول عليه إذا قدر ( كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى ) ثم ليكون أقوى الأمور شاهداً على نقصه وأوضحها دليلاً على عجزه " ...إذن خلق الله الانسان محتاجاً لغيره وأسس بنيان الحياة كلها على التبادل. وبالتبادل تتطور الحياة، ولكنها تتطور فقط عندما يفكر كل طرف في تعظيم عطائه للآخر.. هنا يتراكم العطاء وتصبح الدنيا أسهل وأجمل.. تصعب الدنيا وتزداد قبحاً عندما ينشغل طرف بتعظيم مكاسبه على حساب طرف آخر..وينعدم التبادل تماما عندما نفرض عطائنا على الآخر، شرط القبول والرضا هو شرط التبادل، إذا إنتفى هذا الشرط نحن بصدد عملية تعسف وإجبار كاملة الأركان..بدون رضا ينعدم التبادل وبدون التبادل ينعدم التسويق،  واذا كان  التسويق بدأ ببداية الحياة على الأرض وسينتهي بنهايتها فان معضلة الأرض الكبرى الآن هي غياب منطق التسويق وحضور منطق القوة والقهر..منطق فرض الأشياء وفرض الواقع..منطق الذاتية المفرطة..منطق فرعون " وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " ...
من كتاب " التسويق..عشق..متعة..إبداع " للكاتب، إصدار دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة.

Facebook: elbarjal

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

فى رأيك ما هو أهم حدث خلال 2018؟

  • فجر

    05:24 ص
  • فجر

    05:24

  • شروق

    06:53

  • ظهر

    11:57

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى