• الأحد 21 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر12:17 م
بحث متقدم

حلم العودة إلى الوطن.. «نار مصر.. ولا جنة تركيا»

ملفات ساخنة

مصريون يحلمون بالعودة لمصر
مصريون يحلمون بالعودة لمصر

فتحي مجدي

قيادات الجماعة يبحثون عن الجنسية ومشغولون بتأمين أوضاعهم والعمل بـ«البيزنس»

مئات الشباب يعيشون أوضاعًا مأساوية بسبب غلاء المعيشة وقلة فرص العمل

كوريا الجنوبية وألمانيا وبريطانيا ودول أمريكا الجنوبية «أوطان بديلة»

العديد من الشباب الموجودين في تركيا يريدون العودة إلى مصر.. لكنهم يخشون كابوس الملاحقة الأمنية

شباب يعيشون في أكواخ ويتسولون الطعام فى الشوارع لعدم امتلاكهم المال

صحفي يبيع «الشرابات» في شوارع إسطنبول.. وأخرى: «القرف في بلدي أفضل من القرف في بلاد الغربة»

دويدار: الإخوان في تركيا مقسمون إلى 3 طبقات: «الكبار» وهم القيادات.. «المنتفعون»: إعلاميون وسياسيون وتنظيميون.. ومسحوقون: «شباب يبحث عن لقمة عيش لسداد إيجار السكن»

الشاب «أحمد زهرة» سافر إلى قبرص وعاد بعد سرقة كل أمواله فور وصوله.. والداخلية تعلن تصفيته بالبحيرة

رامي جان: هناك من يستطيع تحمل شهر وهناك من يستطيع تحمل شهرين.. لكن النهاية واحدة: العودة

كان الأمر بمثابة صدمة لهؤلاء الذين ظنوا أن وصول "الإخوان المسلمين" إلى سدة الحكم في أول انتخابات تجرى بعد ثورة 25 يناير سيدوم طويلًا، لكن الأمر لم يتجاوز السنة الواحدة، واجه خلالها حكم الجماعة، انتقادات شعبية واسعة، حتى من أولئك الذين دعموا وساندوا مرشحها الدكتور محمد مرسي في الانتخابات التي جرت في عام 2012.

رفض "مرسي"، التعاطي مع الإنذارات المتكررة بالتوصل إلى تسوية سياسية مع الفرقاء السياسيين، وقد بدا أن الظهير الشعبي الذي استند إليه قد تفتت عضده، بعد أن خابت آمال الذين راهنوا عليه، ولم يقبل بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، كحل يجنب البلاد الدخول في هذا النفق الذي دخلته عقب الإطاحة به؛ تحت ضغط مظاهرات 30 يونيو الحاشدة.

راهن "الإخوان" على الحشد الشعبي المضاد، ومثل الاعتصام في "رابعة" و"النهضة" الأمل الأخير أمامهم للخروج من عنق الزجاجة، واستعادة زمام الحكم مجددًا، وهو ما واجهته السلطة الوليدة التي جاءت على أنقاض حكم الجماعة بمنتهى الحسم والقوة، بقرار فض الاعتصام في 14 أغسطس 3013، ليتشتت على أثرها شمل الجماعة وأنصارها منذ ذلك التاريخ، إما قابعين داخل السجون، أو ملاحقين، أو مختفين عن الأعين، أو فارين خارج مصر.

من اختار الهرب إلى خارج البلاد، وجدوا الملجأ والملاذ في عدد محدود من الدول المتعاطفة مع "الإخوان" مثل: قطر والسودان وماليزيا وتركيا، وإن بقيت الأخيرة هي الأكثر استيعابًا لهم، حيث يقدر عدد المتواجدين على أراضيها بنحو 5 آلاف شخص، الغالبية العظمى منهم ينتمون لـ"الإخوان"، أما الآخرون فمن جماعات وقوى متعاطفة معها، مثل "الجماعة الإسلامية"، وأحزاب سلفية مثل "الفضيلة" و"الوطن"، فضلاً عن معارضين من خارج الصف الإسلامي.

لكنهم بدوا كالمستغيث من الرمضاء بالنار، ففرص العمل والخيارات أمامهم محدودة للغاية، قلة قليلة منهم وجدت لنفسها مكانًا للعمل في المنصات الإعلامية التي أطلقها "الإخوان" من تركيا، وحتى هذه ضربتها الانقسامات والخلافات، بعد اعتراضات على تدني الأجور من قبل العاملين فيها، كما حصل في قناة "الشرق"، التي يترأسها أيمن نور، ووصل الأمر إلى الاعتداء على الذين قرروا الاعتصام للمطالبة بحقوقهم واستدعاء الشرطة التركية لهم.

تكفلت "الإخوان" بتقديم المساعدات المادية لمن لم تتوفر لهم فرص عمل، ولكنها لا تكفي في بلد يُعرف عنه أنه من واحد من أكثر الدول غلاءً في المعيشة والأسعار، زاد من وقع الأزمة أن الخلافات التي شهدتها الجماعة ألقت بظلالها عليها، وخاصة مع هيمنة جناح محمود عزت، ومحمود حسين - اللذين يواجهان رفضًا واسع النطاق بين قواعد الجماعة - على الموارد المالية، وتوزيع المساعدات، وتهديد الرافضين لهما بقطع المعونات عنهم.

دفعت الظروف المعيشية بالكثير من هؤلاء إلى العمل في مهن متدنية، يتحصلون منها على رواتب تلبي احتياجاتهم الإنسانية بالكاد، دون أن يغير ذلك كثيرًا من الوضع المأساوي الذي يعيشه القطاع العريض من المصريين بتركيا، حتى بدا لهم وكأنهم يعيشون في سجن كبير، لا يعرفون متى سيخرجون منه، أو تتبدل أحوالهم فيه إلى الأحسن.

زاد من حدة الغضب والنقمة على هذه الأوضاع، أن قيادات "الإخوان" وغيرها من القيادات الإسلامية لا تعيش في أجواء مماثلة، لا تشعر معها بحجم المعاناة والصعوبات التي يواجهونها، بعد أن أسسوا لنفسهم أعمالاً تجارية، أمنت لهم أوضاعهم المعيشية، وانخرطوا في "البيزنس" الخاص بهم.

وهناك من حصل على الجنسية التركية، ومن بينهم الدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط الأسبق في حكومة هشام قنديل، والدكتور أسامة سليمان، أحد قيادات الإخوان، الذين كان محكومًا عليه في قضية التنظيم الدولي قبل ثورة يناير، وعادل راشد، النائب البرلماني السابق، ورئيس ما يسمى بـ"مجلس شورى الإخوان المصريين في تركيا"، بهدف منحهم "غطاء قانونيًا"، لحمايتهم من أية ملاحقات من قبل السلطة الحاكمة في مصر، ولتفادي أية إجراءات قانونية قد يتعرضون لها في حال حدوث تطورات سياسية مفاجئة بتركيا.

ما دفع كثيرًا من شباب "الإخوان" بتركيا إلى استنكار الأمر علانية، خاصة وأنه رافقه تكتم شديد، وفي ظل إن في تركيا من يعانون من شظف الحياة، كأسر بلا مصدر للرزق، سواء لا يوجد لها عائل، أم لا يجد عملًا، ومن ليسوا من الإخوان، فإنهم يعانون أكثر، وهناك "مَنْ يتعفف عن أن يسأل الناس إلحافًا"، بحسب تعبير محمد ثابت، الكاتب المحسوب على "الإخوان".

"ثابت" استنكر تجاهل أرواح ومصائر آلاف، ومنهم نسبة غير قليلة انتهت فترة جوازات سفرهم ولا يدرون إلى أين يذهبون، وبعضهم هارب من عقوبة الإعدام، متسائلاً: ألم يكن من الأفضل أن تدرسوا مع القيادة التركية، مع التقدير للأخيرة، سُبل وطرق إيجاد مخرج للشباب؟ ألم يكن أجدى أن تبحثوا سبل السلامة لهؤلاء مع السلطات التركية حتى أعلى مستوى، ضاربين المثل في الإيثار والتعالي على منافع الحياة الدنيا الخاصة لكم ولأبنائكم؟".

لم يكن ثابت هو الوحيد الذي خرج عن صمته ليوجه الانتقادات إلى قيادات "الإخوان"، التي انشغلت بتدبير أوضاعها، وبتأمين ظروفها، وإقامتها في تركيا، فالمخرج عز الدين دويدار، وهو أحد شباب "الإخوان" أفاض في شرح حقيقة الوضع عن قرب، حيث إنه يقيم في تركيا منذ سنوات، ويعايش عن كثب الظروف التي يحياها الشباب ومن لا يتمتعون بصفة قيادية أو تنظيمية داخل الجماعة.

"دويدار" قسّم، المصريين في تركيا إلى ثلاث طبقات، في مقدمتها "طبقة الكبار"، والتي تتألف من المسئولين والقادة السابقين والحاليين سواء داخل الجماعة أو الأحزاب والتيارات، وهؤلاء "همهم الشاغل هو تأسيس استثماراتهم الشخصية وشراء العقارات والمزارع والمصانع والسعي للجنسية البديلة وبناء شبكات علاقاتهم الشخصية، و"الثورة" بالنسبة لهم ليست سوى قضية إنسانية تثير الشفقة من بعيد".

أما الطبقة الثانية فأسماها بـ"طبقة المنتفعين والمستفيدين"، وهي تتألف من شخصيات إعلامية أو سياسية أو تنظيمية، وتسعى إلى أن تكون من أصحاب الطبقة الأولى، وهؤلاء "يسعون إلى بناء مجد شخصي وزيادة مساحة أدوارهم بالمزايدة في قضايا الثورة أو الإخوان أو تقمص أدوار بطولية، وبناء أكبر رصيد من الأموال، و"الثورة" بالنسبة لهم ليست إلا سبوبة والوضع الحالي فرصة لهم لتحقيق مرادهم".

بينما الطبقة الثالثة تأتي في المؤخرة، وهي "الطبقة الأكبر عددًا"، مسميًا إياهم بـ"المسحوقين"، ممن قال إنهم "يبحثون عن لقمة عيشهم في محاولة منهم للنجاة من موعد استحقاق إيجار السكن، وغالبيتهم من الشباب الهارب من أحكام القضاء، ولكنهم فقدوا الأمل وكل شيء خلال رحلتهم للهرب خارج البلاد".

والطبقة الأخيرة – كما يقول دويدار - : "يتم سحقهم ولا يستطيع الفرد منهم رفع رأسه، متلهفين لقيام ثورة ثانية داخل مصر للعودة من خلالها واستعادة أرواحهم مرة أخرى، وهم خارج دائرة البيزنس والقيادة والانتفاع بشكل عام، واضطروا إلى الهرب للعمل في أي مجال من أجل المعيشة فقط، وفي انتظار دعم من أي جهة لمساعدتهم على العيش، ولا تملك في يدها ما يغير حالها.

وعلى الرغم من كل هذه الأوضاع الصعبة، والانتقادات التي طالتها، إلا أن قيادات "الإخوان" لم تتوقف كثيرًا أمامها، وبدت غير مبالية بما يتردد حولها من وقت لآخر، كما حصل في مطلع أبريل الماضي عندما نظمت احتفالية فنية بإسطنبول بمناسبة ذكرى مرور 90 عامًا على تأسيس الجماعة، مفجرة موجة من الغضب العارم في أوساط المنتمين لها، لتجاهلهم معاناة المنتمين للجماعة المتواجدين في السجون المصرية.

وكان أبرزها ذلك الهجوم الذي شنته ابنتا المرشد الحالي الدكتور محمد بديع، والسابق محمد مهدي عاكف، اللتان عبرتا عن غضبهما بشدة من تنظيم الاحتفالية، على الرغم من الأوضاع المزرية التي يعاني منها قيادات وأعضاء الجماعة في الداخل، وصدور العديد من أحكام الإعدام بحقهم، فضلاً عن حالات الاختفاء القسري لعدد من المنتمين لها.

وتساءلت ضحى بديع: "ما الداعي لإقامة مهرجان فني ليلاً (...) وإن كانت المسئولية تقع على من في الخارج والداخل؟ لماذا يدفع من بالداخل فقط الثمن؟ ولمن في الخارج البهرجة والاحتفالات فقط أيضًا".

وتابعت تساؤلاتها: "هل الجماعة بذلك تثبت أنها موجودة هل أصبح إثبات وجود جماعه الإخوان المسلمين بالاحتفالات فقط!!.. أين القيادة في الخارج مما يحدث لأبناء الجماعة في الداخل وفى السجون وفى الخارج أيضًا حيث هناك مشردون".

وانتقدت تجاهل قيادات "الإخوان" في الخارج للقيادات المعتقلة بالسجون في مصر، متسائلة "أين القيادات في الخارج مما يحدث لقادة الجماعة في السجون في الداخل؟ أين القيادات في الخارج مما يحدث من انتهاكات جسيمة لمرشد الإخوان في المعتقل في الداخل؟ أليس هو رمز هذه الجماعة؟".

ومضت في هجومها على قيادات الجماعة، قائلة: "أو ليسوا هؤلاء الشباب المختفي منهم قسريًا ومن يعذب منهم ومن يصفى ومن ينتظر تنفيذ حكم الإعدام، أليسوا جميعهم رمز الجماعة، أو ليسوا جميعهم مستقبل الجماعة؟".

واستطردت: "أو ليس الأجدى والأجدر إثبات وجود الجماعة بطرق جميع الأبواب والأخذ بجميع الأسباب لإنقاذهم، هذا هو السبيل الوحيد لإثبات وجود الجماعة، أما دون ذلك واحتفالات عقيمة وفارغة ومهرجانات فنية قميئة ووجوه أقمأ لا تفيد الجماعة ولا رموزها ولا من هم في الداخل بشيء، بل بالعكس بتزيدهم كمدًا وقهرًا".

وعبرت ابنة مرشد "الإخوان" عن غضبها: "من الآخر كده بنحس إننا ملناش ضهر واللي ملوش ضهر بيتضرب على بطنه، وأحب أعرف حضرتك إننا ف مصر بطننا اتهرت، واللى مفروض يبقوا ضهرنا ويحموا بطننا للأسف عندهم مهرجان فني".

وشاطرتها الرأي علياء عاكف، ابنة محمد مهدي عاكف، مرشد "الإخوان" السابق، والذي توفي في محبسه في العام الماضي، قائلة: "قلتِ كل اللي في نفسي ربنا يكرمك".

كان هذا دليلًا على حالة اليأس التي وصل إليها "الإخوان" داخل مصر وفي خارجها أيضًا، بعد أن حزم المئات من الشباب المقيمين بتركيا حقائبهم إلى دول أخرى، إلى جانب أعداد كبيرة غيرهم يدرسون الآن مغادرتها للحصول على حق اللجوء السياسي في عدة دول منها كوريا الجنوبية وألمانيا وبريطانيا ودول أمريكا الجنوبية، مثل البرازيل وغيرها.

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية سافر حوالي 100 من الشباب الهارب تركيا، أما الباقون، فهم يستعدون أو يجمعون النفقات اللازمة للسفر إلى هذه الدول، التي لا تمنح جميعها اللجوء السياسي لكن السفر إليها سهل مثل البرازيل، ما دفع الكثير من المصريين بتركيا إلى المغادرة إليها، فرارًا مما أسمته مصادر مصرية بتركية بـ"الفرار من جحيم إسطنبول" بالنظر إلى أن "فرص العمل قليلة جدًا، والأجور ضعيفة، بينما تركيا بلد تكاليف العيش فيه مرتفعة للغاية".

فضلاً عما أشارت إليه حول "استئثار فئة قليلة جدًا هي رموز الإخوان المسلمين ومن معهم ومديري القنوات الفضائية والجماعة الإسلامية وأيمن نور (رئيس قناة الشرق) والمقربين منهم على كل شيء، الأمر الذي أصاب كثيرًا من الشباب باليأس، بعدما لاحظوا انصراف القيادات والرموز عن العمل للثورة وانشغالهم بالأعمال التجارية والبيزنس السياسي".

ولم تخفِ المصادر وجود رغبات حثيثة لدى كثير من الشباب المقيم في تركيا في العودة إلى مصر، لكن "الأزمة أن أغلب هؤلاء صادر بحقهم أحكام في مصر، بعضها يصل للإعدام".

ما يزيد الأوضاع سوءًا، أن "كل مجموعة سياسية تحصل من الجانب التركي على إقامات دائمة أو طويلة وتوزعها على المعارف على غرار "رابطة الإعلاميين المصريين بالخارج"، التي يرأسها القيادي الإخواني حمزة زوبع مؤخرًا، إذ إنها حصلت على إقامات دائمة تم توزيعها على المحاسيب بينما تم إهمال كل الشباب الصادرة بحقهم أحكام"، وفق المصادر.

في الوقت الذي يعد فيه من أحد الأسباب الرئيسية لمغادرة شباب "الإخوان" تركيا إلى دول أخرى هو انتهاء جوازات سفرهم، أو اقتراب انتهائها، بالإضافة إلى أن المستقبل أمامهم مجهول، فهم يسارعون للحصول على تأشيرات للدول التي يمكن الحصول فيها بسهولة على اللجوء السياسي ومن أبرزها كوريا الجنوبية، التي وصلها ما لا يقل عن 80 شابًا مصريًا خلال الأشهر الأربعة الماضية.

بينما يراود البعض حلم العودة إلى مصر، لكن تسيطر عليهم المخاوف من الملاحقة الأمنية، خاصة وأن هناك من بينهم من صدرت ضده أحكام قضائية وأغلقت في وجوههم أبواب الأمل في العودة إلى أحضان الوطن.

وناشد 11 شابًا من المتواجدين في تركيا، الرئيس عبد الفتاح السيسي بالسماح لهم بالعودة إلى مصر والتصالح مع الدولة، قائلين إنهم لم يقوموا بأي أعمال تخريبية أو عنف.

أحد هؤلاء الشباب ويدعى عبدالرحيم الصغير ويعمل بقناة "الشرق"، قال عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": "الرئيس عبدالفتاح السيسي هل ممكن تتصالح معي أنا، و10 من الشباب موافقين علي رجوع مصر، وتسمح لنا أن نعيش في بلدنا، مع العلم أننا لم نتسبب في عُنف!!؟".

لا تبدو حتى الآن ثمة مؤشرات على إمكانية السماح لهؤلاء بالعودة إلى مصر، مع ذلك، فإن الصحفية (م. أ) أبدت عبر صفحتها على "فيس بوك" الرغبة في العودة إلى مصر في كل الأحوال، قائلة: "أنا صحفية وعضو نقابة وزهقت من الغربة ممكن حد يرجعني بلدي، أقبل بالقرف فيها أحسن من القرف اللي شفناه في غيرها".

الأزمة التي برزت على السطح بقوة في الآونة الأخيرة كانت قد ظهرت تجلياتها قبل شهور، مع عودة الناشط والإعلامي، رامي جان من تركيا إلى مصر، لأسباب عزاها مقربون منه إلى معاناته هناك من عدم توفر فرص العمل، وتدهور أحواله المادية، ما جعله يفضل العودة إلى مصر.

وهناك العديد من زملائه السابقين بقناة "الشرق" يعانون مرارة الأوضاع، وخاصة بعد الأزمة الأخيرة التي شهدتها القناة، ما دفعهم إلى التواصل معه طالبين توسيطه حتى يتسنى لهم العودة إلى مصر، فضلاً عن غيرهم ممن ضاقت بهم سبل العيش على الأراضي التركية.

ويقول "جان"، إن عدد الذين تحدثوا إليه في يوم واحد عن رغبتهم بالعود إلى مصر بـ 35 شخصًا، والعدد في ازدياد، لأنها "مسألة وقت قبل أن ينهار كل شيء، لكن هناك من يستطيع تحمل شهر وهناك من يستطيع تحمل شهرين، ولكن النهاية واحدة: العودة".

يتحدث (أبوبكر . إ)، أحد العاملين في قنوات الإخوان، عن الواقع المؤلم الذي يعيشه المئات في تركيا من فقر وحرب على أرزاقهم وتجسس عليهم، مشيرًا إلى معاناته هو وشخصيًا وأسرته في البحث عن مكان يعمل فيه، بعد أن تم ابتزازه في إحدى القنوات واضطر لمغادرتها.

ويلخص أبو بكر الوضع في تركيا، قائلاً: "ليس أمامك سوى طريقين أحدهما معروف، وهو طاعة قيادات الإخوان في كل شيء، والحفاظ على كيان الجماعة، والإبلاغ عن أي حالة تمرد وسط الصف، والطريق الثاني حال عدم الالتزام بهذه التعليمات وهو الطرد والترحيل لمصر، أو التضييق على الرزق".

وكشف عن تفاصيل معاناة عدد من زملائه الذين سافروا إلى تركيا هربًا من الملاحقات الأمنية والقضائية بعد فض "رابعة" ليعيشوا في عشش وأكواخ، بعد الطرد من قنوات الإخوان.

 وقال إنه "بعد أن منع مسئولو التنظيم المساعدات عن عشرات الشباب "الهارب" والعائد للجماعة بعد عزل مرسى عقابًا لتمردهم على القيادة سابقًا، أصبحت حياة هؤلاء جحيمًا، حتى إن بعض أصبح يتسول طعامه من الشوارع والمطاعم".

وأضاف: "الإقامة في غرفتين صغيرتين مع 12 شخصًا من جنسيات مختلفة تتكلف 200 ليرة في الشهر، لشباب أغلبهم تربى على السمع والطاعة، ولا علاقة لهم بالسياسة وألعابها القذرة ومن ثم أمكن اقتيادهم بدغدغة المشاعر وأكاذيب الشرعية وحماية الدين، لا لشيء إلا لدفعهم إلى أتون معركة مجنونة، لتتواصل مآسي هؤلاء الشباب، إذ ضاقت الدنيا من حولهم وتحولت إسطنبول الخلابة بطابعها الأوروبي وأجوائها الشرقية، إلى سجن خانق مقطر في سبل العيش، بل وحتى في العشش وأكواخ المهانة التي يقيمون فيها".

وذكر "أبو بكر"، أن "هؤلاء الشباب الذي ترك دراسته بالجامعة في كليات القمة، وجد واقعا مؤلمًا، إذ إنهم ليسوا علاء صادق أو محمد ناصر أو معتز مطر، أو حتى طارق عبد الجابر ورامي جان وغيرهما ممن وجدوا من يتعاطف معهم ويتدخل ليعودا إلى مصر، بالتبرؤ من الإخوان وإعلان الكفر بالسياسة".

وأوضح أن "مصيبتهم هو أنهم بلا سند، حتى من جانب الجماعة التي تباكت عليهم ولا تزال، فقط من فوق المنصات وعبر الفضائيات وفى فضاء التواصل الاجتماعي".

في حين يقول (مصطفى . ع)، إنه تَرَك حلم الهندسة بعد أن وشى به أحد جيرانه ليعمل فنيًّا في قناة تليفزيونية بتركيا لا يكفى راتبها الإقامة في كوخ متهالك.

وأضاف أنه غادر مصر منذ ثلاثة أعوام بالتمام والكمال، كان حينها عمره 17 عامًا لم يكن سوى طالب في المرحلة النهائية من الثانوية العامة، كل طموحاته تنحصر في كيفية الوصول إلى حلم كلية الهندسة، ولم يكن له علاقة بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، حتى مات الشيخ الذي حفظه القرآن منذ كان صغيًرا، وثلاثة من أصدقائه، وأنه لم يفكر إطلاقًا في النزول لمظاهرة واحدة في الشارع.

وتابع: "أنا ماعملتش حاجة، والله ما عملت حاجة.. أنا بس كنت بأكتب أسماء زمايلي اللى ماتوا على الحيطة.. أنا مش إخوان!، إلا أن أحد الجيران بلغ عني بتهمة أنني أكتب عبارات مسيئة إلى الشرطة والجيش في الشوارع، ونجحت في الهروب أثناء محاولة القبض علي، وعرف بعدها أن تم تحرير قضية ضده بتهمة "إهانة المؤسسة العسكرية والاعتداء على ضباط الشرطة أثناء القبض عليه"!، وتمكنت من الهرب إلى تركيا".

ربما كان هذا شابًا يستطيع أن يدبر حاله، خاصة وأنه وحيد وليس معيلاً لأسرة كما هو الحال بالنسبة لآخري، مثل هذا الصحفي (م. ح)، الذي يعول أسرة تضم زوجة و3 أطفال في مراحل دراسية، ما اضطره تحت وطأة الظروف بعد أن غادر عمله في إحدى القنوات إلى إلحاقهم بمدارس اللاجئين في تركيا، ولما لم يجد عملاً وقف في أسواق اسطنبول  ليبيع "الشرابات" حتى يستطيع أن يسدد إيجار السكن ويتمكن من إطعام أولاده.

مؤخرًا استطاع أن يؤمن عملاً أفضل له، وعندما تواصلت معه "المصريون" متحدثة معه عن أحواله لم ينفِ مرارة العيش، لكنه خشي من الإفصاح عن اسمه، حتى لا يتضرر في "لقمة عيشه"، وفضّل الصمت عن وضع لا يرضاه، عن أن يجد نفسه مفصولاً في الشارع.

مهما بلغت قسوة الأوضاع هناك، فإنها لن تكون في حجم مأساة الشاب أحمد مجدي إبراهيم محمد زهرة، الذي كان مطاردًا، وتوجه إلى السودان، ومنها إلى قبرص، لكن فور وصوله تعرض لسرقة كل ما معه من مال (1400 دولار)، اسودت الدنيا في عينيه، خاصة وأنه لا يعرف أحدًا من المصريين هناك، فاتخذ القرار الصعب بالعودة إلى مصر، مهما كانت العواقب.

بعد عودته بأيام إلى مصر، قالت أسرته إنه تم القبض عليه يوم 21 مارس 2018، من أحد شوارع مدينة الخانكة التي يسكن بها، وتم اقتياده لجهة مجهولة، ولم يعرف مصيره حتى ظهر اسمه في بيان وزارة الداخلية يوم 25 من الشهر ذاته، ضمن 6 أشخاص قالت إنهم تم قتلهم خلال اشتباكات مع الشرطة، بعد أن اتهمتهم بالتورط في محاولة تفجير موكب مدير أمن الإسكندرية قبل ذلك بيومين.






تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • عصر

    02:56 م
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:22

  • عشاء

    18:52

من الى