• الثلاثاء 21 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر11:53 ص
بحث متقدم

(صندوق تحيا إثيوبيا)

وجهة نظر

محمد حافظ
محمد حافظ

دكتور مهندس/ محمد حافظ

على مدار السبع سنوات الماضية, إجتمعت الوفود الفنية لمصر وإثيوبيا والسودان قرابة 18 مرة بهدف إيجاد حل فني لمشكلة سد النهضة بحيث تتفادي مصر الآثار الكارثية المحتملة لهذا السد على حصة مصر. وكانت محاور تلك المفاوضات تتمثل في ثلاث محور أساسية  هي محور حجم خزان سد النهضة  ومحور فترة التخزين ومحور الآثار الإقتصادية والبيئية الناجمة عن بناء سد النهضة بكل هذا الإرتفاع الضخم.
على مدار سبع سنوات كانت تنعقد جلسات المفاوضات وتنفض بلا أي نتيجة أو تقدم ملموس على أرض الواقع  وكانت كل جولة مفاوضات تنتهي عند عقبة (اللاءات الأربعة) والتي فرضتها إثيوبيا على أجندة جميع المفاوضات الــ (18) السابقة.
الأولي هي (لا) لمناقشة  أو التفاوض حول (حجم خزان بحيرة سد النهضة ذات الــ 74 مليار متر مكعب), الثانية (لا) لمناقشة أي فترة تخزين تزيد عن (3 سنوات) والثالثة (لا) لمناقشة أي مشاكل إقتصادية أو بيئية تمتد حدودها الجغرافية لشمال موقع السد العالي بأسوان والرابعة  (لا) لإتفاقية الحصص المائية والتي تنص بحق مصر في حصة  تعادل (55.5 مليار متر مكعب). 
تلك هي المحاور  الأربعة التي دار حولها التفاوض  على مدار 17 جولة مفاوضات أخرها جولة  المفاوضات التساعية في  الخرطوم والتي تم الإعلان عن فشلها في الإسبوع الأول من شهر إبريل الماضي على الرغم من مشاركة كل دولة بثلاث هيئات حكومية وهي وزارة الري ووزارة الخارجية وجهاز المخابرات.
إلا أنه خلال جولة المفاوضات الـ (18) والتي عقدت  في إثيوبيا منتصف شهر مايو الماضي خرجت الوفود الثلاثية لكل دولة تعلن تحقيق تقدم ملموس وتوافق بين الأطراف الثلاثة وتقريبا إنهاء مشكلة سد النهضة. حيث تم التوقيع على ملحق جديد بين الدول الثلاثة يعرف بــ( وثيقة مخرجات سد النهضة). والتي تنص على 4 مبادئ أهمها  موافقة الدول الثلاثة على إنشاء صندوق إستثماري ثلاثي للإستثمار في البنية الأساسية بالدول الثلاثة.
والسؤال هنا, هل كانت مصر تتفاوض على مدار السبع سنوات الماضية  حول (تأسيس) أو (عدم تأسيس) صندوق إستثماري للبنية التحتية, هل هذا كان أحد طلبات مصر في أي لحظة على مدار تلك السنوات. بالتأكيد (لا)  فهذا (الصندوق)  لم يكن يوما أحد المطالب المصرية . بل مطلبها الثابتة تتعلق بحجم البحيرة وفترة التخزين ثم الآثار الإقتصادية السلبية لسد النهضة على الدولة المصرية. تلك هي محاور المفاوضات حتى نهاية شهر إبريل 2018. فكيف إختفت كل تلك المحاور من على طاولة المفاوضات التساعية وإستبدل مكانها محاور مختلفة تماما عن تلك التي تحقق الأمن المائي للدولة المصرية بعد تشغيل سد النهضة.
فصندوق الإستثمار الثلاثي الذي يتحدث عنه السيسي والذي تمت الموافقة عليه خلال جولة مفاوضات آديس آبابا الأخيرة هو ثلاثي بالإسم فقط. فلا إثيوبيا ولا السودان لديهم القدرات المالية المتاحة للضخها بهذا الصندوق بهدف الإستثمار في البنية التحية بمصر على سبيل المثال, وذلك لكونهما يمران بأزمة مالية طاحنة منذ زمن بعيد ولا ينتظر حلها في القريب العاجل. 
إذن المقصود هنا هو إستثمار مصري أحادي فقط  لتأسيس البنية التحتية  في كل من إثيوبيا والسودان وتحديدا ضخ (أموال مصرية حكومية) لتأسيس بنية تحتية بمدن الدولة الإثيوبية. حيث تحدث السيسي عن رغبة مصر في إنشاء مدينة صناعية بإثيوبيا وإستعداده للمشاركة في مشاريع البنية التحتية والتي هي غالبا مشاريع في (المرافق العامة) مثل شبكات الكهرباء للإستخدام المنزلي وشبكات توصيل مياه الشرب والمجاري للمناطق السكنية بالمدن الإثيوبية.
فدولة مصر ذات الديون الخارجية التي تعادل قرابة 100% من قيمة الإنتاج القومي و التي يعاني مواطنيها من سوء كفاءة المرافق العامة بشكل عام حيث تختلط مياه المجاري بمياه الشرب, وتفقد قرابة 50% من حجم المياه المعالجة  بسبب تسريبات شبكة مرفق مياه الشرب هي نفسها الدولة المصرية التي تتمني وترجوا من الحكومة الإثيوبية ان تسمح لها ببناء شبكة مرافق مياه ومجاري وكهرباء للمواطنين الإثيوبيين.
ولقد جاءت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي يوم 10 يونيو لمصر لتأكد سعادة الحكومة إثيوبية  بفكرة هذا الصندوق الإستثماري. حيث تم مناقشة عدة مشاريع بنية تحتية بينه وبين السيسي دون أي ذكر لأي تقدم على المحاور  الأساسية الخلافية بين البلدين. فلم يذكر رئيس وزراء إثيوبيا خلال المؤتمر الصحفي عن نية بلاده بتخفيض حجم بحيرة التخزين إرضاء للدولة المصرية  ولم يذكر أي شئ متعلق بفترة التخزين ولا بمرعاة الآثار الاقتصادية والبيئية السلبية الناجمة عن تشغيل سد النهضة.
كل ما وعد به رئيس وزراء إثيوبيا المسلم هو أنه (لن يضر) الدولة المصرية بسبب سد النهضة. إلا أن هذا الأمر ما كان يحتاج ذاك القسم الذي أجبره السيسي عليه لينطقه باللغة العربية دون أن يفهم ماذا يردد من كلمات. فرئيس وزراء إثيوبيا السابق المسيحي الديانة وعد أيضا و في جميع لقاءته مع الجانب المصري بانه لن يضر مصر وأصغر مهندس يعمل اليوم في بناء سد النهضة يكرر نفس  الكلام  وهو أن سد النهضة سيكون بردا وسلاما على مصر ولن تضار مصر منه بتاتا. بل أن سد النهضة سوف يزيد إنتاج السد العالي من الكهرباء.
فالتعهد بعدم حدوث (ضرر  جسيما) هو أمر ليس بجديد بالنسبة للحكومة الإثيوبية ولقد ذكرا هذا الأمر بشكل واضح ببنود إتفاقية مبادئ سد النهضة. إلا أن هذا  الأمر لم يترجم لأرقام محددة تفسر ما المقصود بمعني (الضرر الجسيم ). فهل عجز مائي بحصة مصر يقدر بــ (10 مليار متر مكعب) يعتبر ضرر أو 20 مليار أو 30 مليار متر مكعب.
فقد ما تراه مصر بأنه (ضررا جسيما) عليها , تراه إثيوبيا أمر عادي فهي لديها نسبة كبيرة من المواطنين بمقاطعة أوجادين يعيشون على قرابة 100 متر مكعب سنويا ولا تري في هذا ضرر جسيما. ولذلك فعندما تنخفض الحصة المائية للمواطن المصري بنسبة 60% نتيجة تشغيل سد النهضة  لتصل  لقرابة 250 متر مكعب سنويا بدلا من 600 , فهذا بالنسبة للدولة الإثيوبية ليس بضرر جسيما لو قيس بالمقارنة مع أبناء مقاطعة آوجادين الإثيوبية.
وعليه فقسم رئيس الوزراء الإثيوبي أمام الشعب المصري بتلك الطريقة الهزلية هو قسم لاقيمة له في العلاقات الدولية لأن الدول لا تمثل برئيسها بل ببرلمانها. فالبرلمان الإثيوبي هو صاحب الحق الوحيد في تحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بين إثيوبيا مصر من خلال سد النهضة. ذاك البرلمان هو الذي رسخ مبداء (اللاءات الأربعة) لتسير عليه وزارة الخارجية والري الإثيوبية على مدار السنوات السبع الماضية.  
ولذلك فمن الممكن القول اليوم أن حالة السرور والرضي التي ظهرت على رئيس وزراء إثيوبيا بعد إجتماعه مع السيسي هي حالة ناجمة عن نجاح الأجندة الإثيوبية وتحقيق الهدف من بناء سد النهضة. وذلك بعد تأكده بان الدولة المصرية قد رضخت  تماما للإرادة الإثيوبية وتنازلت عن مطالبها السابقة بشأن حجم بحيرة التخزين وفترة ملء البحيرة  وإنتقل التفاوض اليوم لمرحلة  (ما بعد تشغيل سد النهضة). وكيف يمكن التعاون بين البلدين في تبني نظام تشغيل لسد النهضة  يسمح بتوليد  طاقة كهربائية أقل من 6450 ميجاووات مع السماح بمرور كمية من المياه للدولة المصرية  يدفع ثمنها بشكل غير مباشر على هيئة مشاريع مصرية للبنية التحتية بالمدن الإثيوبية. 
وهكذا تكون إثيوبيا قد حققت حلمها بمعاملة مياه النيل الأزرق معاملة (النفط الخليجي), وأنه كما يصدر دول الخليج العربي النفط والذي هو ثروة طبيعية بالدولار إلي دول العالم فلقد حان لإثيوبيا أن تصدر مياه النيل الأزرق إلي  دول الجوار مقابل  مشاريع بنية تحتية  تقوم بها الحكومة المصرية بدلا من الحكومة الإثيوبية. 
  لو صح هذا التوقع فعندئذ تكون إثيوبيا وبموافقة سودانية قد خدعت (مصر) مرتان, أولهما عندما بنت سد ضخم جدا ذات كفائة إنتاجية منخفضة تصل لقرابة 30%. أي أنها عظمت قدرات السد بشكل كبير وهي تعلم مقدما أن حجم التدفق لنهر النيل الأزرق لايمكنه أن ينتج أكثر من 2000 ميجاوات وليس 6450 كما تدعي الحكومة. وعليه فعندما تطلب منها الحكومة المصرية تخفيض الإنتاج من 6450 لــ 2000 ميجاووات فعلى مصر دفع تعويضات  مقابل منع إثيوبيا توليد كهرباء أكثر 2000 ميجاوات . 
إلا أن هذا الفرق في الواقع هو فرق  حسابي نظري جدا  تعلم إثيوبيا تماما بانها لم ولن تكن لتصل إليه إلا لفترة  أقل من  شهر واحد فقط عند بلوغ حجم التخزين لــ 74 مليار متر مكعب. وهذا هو أمر قد يحدث بعد إنتهاء فترة السنوات الثلاثة المخصصة للتخزين ولن يستمر تشغيل الـ 16 تروبين بتلك القدرات لأكثر من شهر واحد لينخفض بعدها التدفق ويعود لقدراته الطبيعية  والتي لاتزيد عن 2000 ميجاووات. 
وسلام 

دكتور مهندس/ محمد حافظ
أستاذ هندسة السدود بجامعة Uniten- Malaysia


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:03 م
  • فجر

    04:00

  • شروق

    05:29

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:37

  • عشاء

    20:07

من الى