• الأحد 21 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر04:32 م
بحث متقدم

التجربة المغربية.. مجددًا!

مقالات

عبرت، مرارًا، من خلال هذه المساحة عن استغرابى غير المحدود، من نوع الرهان الذى تتبناه الإدارة المصرية، أو أجنحة معينة داخل هذه الإدارة، من خلال سياسات التصعيد المستمر مع أية رقعة معارضة، مهما بدت محدودة الدائرة والتأثير، والإصرار _ بالغ العناد! _ على استنفار معركة صفرية، دائمة التفاقم، لا تعرف معنى التهدئة، ولا تقبل القسمة على (اثنين)، أو أية شراكات مستقبلية محتملة. 
وقلت إن هذا الرهان التصعيدى العجيب، قد يخلف _ كما يحدث الآن! _ أطنانًا من الاحتقان والثأرات المعبأة، التى سترثها بالضرورة الأجيال القادمة، لكن هذا الرهان، الذى تصر عليه طريقة الدولة فى إدارة الأزمة السياسية المستحكمة، بما فى ذلك حزمة الإجراءات الاستثنائية مفتوحة الخيارات، لا يمكن أن يصنع مستقبلًا للبناء، أو فضاءً آمنًا لرأس المال الأجنبى أو المحلى، أو حتى جسرًا معقولًا يسمح لنا بأن "نعيش معًا" _ مجرد العيش تحت أى ظرف _  رهان الإدارة المصرية فيما يبدو قائم على أساس تصدير حالة ردع أو جزع شعبى عام، تشعر أية معارضة بالكلفة الباهظة لأية خطوة محتملة للتحفظ، ولا أقول الرفض!.
والنتيجة المؤكدة لهذا الرهان الأوحد القائم على التصعيد وما تعتبره الإدارة المصرية "حسمًا"، أن الإحباط يعشش فى المشهد السياسى، واليأس الشامل يعصف بالشباب وبكل الأطياف السياسية والإيديولوجية، حيث تموت السياسة ويعتل الإعلام _ حد الموت! _  وتتمدد العملية السياسية برمتها، على الطاولة مسجاة كجثة هامدة بلا حراك، وتتوطد دعائم الانسداد السياسى الكامل، ناهيك عن الإخفاق التام فى أية عملية تنموية، أو مجرد حلحلة للأزمة الاقتصادية، التى بتنا نسمع معها صفير البطون من الجوع، وأنين الطبقتين: المتوسطة والدنيا، من شحة الأرزاق وجنون ارتفاع الأسعار، ولوثة الزيادات والضرائب وتكلفة الخدمات، حتى تحولت الأزمة الاقتصادية، إلى ألسنة نيران تحكم طوق الحصار حول المواطن ولا تدع له منفذًا، ولو ثقب إبرة، ولم يفهم هنا أصحاب الرهان الأوحد أن "السياسى" و"الاقتصادى" قطبان ملتحمان وأن حلحلة الأزمة الاقتصادية الرهيبة، رهين بتهيئة مناخ الانفراجات السياسية الكبرى ولا يمكن خلق أسوار بين السياسة والاقتصاد كما قد يتصور بعض الناس!.
ويتكرر السؤال على الضمائر: ما عناصر النجاح التى تراها الإدارة المصرية _  ولا نراها نحن! _ فى هذا الرهان الأوحد العجيب، الذى يسفه السياسة ويسخر منها ملء شدقيه، وقد خلق فى ركابه أزمات اقتصادية وإعلامية وتنموية وسياسية، اتسع معها الخرق على الراتق، وحار العقلاء، فى محتوى الخطوة أو الخطوات القادمة إلا إذا كانت مضيًا أعمى فى صحراء معتمة، بل وجعل هذا الخيار من مصر، ضيفًا مستمرًا على تقارير المنظمات الحقوقية الأممية بوصفها موضعًا للإدانة العنيفة، وهو ما تضطر معه، فى كل مرة، وزارة الخارجية المصرية إلى إعداد البيانات والردود على تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وكأننا "أبو سريع" فتوة الحارة المصر على تحدى أهالى الحارة مجتمعين دفعة واحدة!.
 لسنا تغريدًا خارج السرب، ولا نغمة نشازًا فى العالم، فالخيار المصرى (الحاضر) تمت تجربته فى مناطق أخرى من العالم ولم يقدر له أية نجاحات ولا يمكن لهذا الرهان التصعيدى، أن يعمر فى المشهد المصرى طويلًا، لأنه ينهك جميع الأطراف _ بما فى ذلك السلطة! _ ويخلق حالة مواجهة صفرية "سرمدية" لن تتوقف ولو للحظة، إنه مسحوق حمضى حارق، يزحف بصورة كارثية، وتتآكل معه الأرض التى نقف فوقها!.
والعالم المعاصر، فى أدبياته السياسية والقانونية، يعترف بحل أوحد لأزمة، كأزمة مصر، وهو ما يسمى بمشروع "العدالة الانتقالية"، وهو مشروع سياسى قانونى شامل، يضمن تحريك القارب فوق سطح المياه، أو "تعويم" المركب فى حالتنا المصرية لأننا حاليًا لا نملك رفاهية التحريك، وإنما مجرد التعويم. 
ومفهوم "العدالة الانتقالية" "Transitional justice"، هو وسيلة علاج آمن للانقسامات الحادثة فى المجتمعات، والصراعات الاستقطابية الخطيرة، التى تهدد وجود الأمم بشكل مصيرى، وأساس الفكرة تشكيل لجان الحقيقة والمصالحة، وصياغة برنامج عام قائم على الإدماج، يتفق عليه الجميع لإطفاء النيران، وما أسميناه بـ"تعويم القارب" أولًا. 
عالميًا كانت تجربة الأرجنتين فى مجال "العدالة الانتقالية" عام 1983، على يد "راؤول ألفونسين"، واحدة من أكثر تجارب العدالة الانتقالية نجاحًا، لكن التجربة العربية للعدالة الانتقالية فى المغرب الشقيق، يبقى لها بريقها، حيث كنت فى حوار مع وفد مغربى أدبى، يزور القاهرة حاليًا، قبل أيام برئاسة الكاتب المسرحى المغربى الكبير "عبد الكريم برشيد"، وأتيح لى أن أطلع على تجربة العدالة الانتقالية فى المغرب، حيث أطلق الملك "محمد السادس" تجربة الانفراجات والمصالحات الوطنية الكبرى، عام 2004 تحت اسم "لجان الإنصاف والمصالحة"، لطى صفحة الماضى وجبر الضرر، الناجم عن صراعاته، بتسويات سياسية مشرفة، تنزع الاحتقان، وتجعل الجميع يتنفسون الصعداء. 
المغرب المستقر القوى، يجنى الآن ثمار مشروعه الرائع للعدالة الانتقالية، الذى أدمج الجميع فى المشهد الصحى المتعافى، وقد أشادت الأمم المتحدة بمشروع المغرب، الذى حركه خطوات رائعة نحو لاستقرار والبناء، على الإدارة المصرية أن تنظر، بعناية، إلى مشروعات العدالة الانتقالية فى العالم _ خصوصًا العالم العربى _ لأن البدائل "مرة" _ أكرر البدائل مرة ولا تتحملها مصر _ حال الاستمرار فى رهان التصعيد الأوحد وتجفيف منابع السياسة.. والإعلام!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • مغرب

    05:22 م
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:22

  • عشاء

    18:52

من الى