• الخميس 13 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر02:09 م
بحث متقدم
والرد عليها

شبهات القرآنيين حول حديث (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)

وجهة نظر

أحمد السيد على إبراهيم
أحمد السيد على إبراهيم

المستشار / أحمد السيد على إبراهيم

الحمد لله حمدا لا ينفد ، أفضل ما ينبغى أن يحمد ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تعبد ، أما بعد ،،،
فإن الله عز وجل كتب الموت على جميع البشر ، ولم يكتب لأحد منهم الخلد فى الدنيا ، فقال تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ  ?  أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ }  ( الأنبياء : 34 ) ، وامتن عليهم سبحانه وتعالى بدفنهم ، فلم يجعلهم ملقون للسباع والطيور ، وجعل الدفن مكرمة لبني آدم دون سائر الحيوانات ، فقال تعالى : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } ( عبس : 21 ) ، وقال : { أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } ( المرسلات : 25 – 26 ) ، وقد أرشد الله تعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل : { فَبَعَثَ الله غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } ( المائدة : 31 ) فكانت سُنّة في بني آدم .
وكتب عليهم فى قبورهم الفناء ، والتحلل ، فأمر الأرض أن تأكل أجسادهم إلا قطعة صغيرة من العظام تسمى عجب الذنب ، منه خلق إبن آدم ، وفيه يركب عند بعثه يوم القيامة ، فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : { كلُّ ابنِ آدمَ يأكُلُه الترابُ إلا عَجْبُ الذنبِ منه خُلِقَ وفيه يُركَّبُ } ( رواه مسلم ) واستثنى منهم الأنبياء فحرم على الأرض أن تأكل أجسادهم ، معجزة لهم ، وبعض أوليائه كرامة لهم .
فخالف فى هذا البعض ، وأنكروا حدوثه ، وأثاروا الشبهات حوله ، فكان هذا البحث للرد عليهم ، وتفنيد شبهاتهم ، وبيان المسألة تفصيلا بالدليل النقلى ، والعقلى .
بداية لابد منها :
قبل أن نشرع فى بيان شبهات القرآنيين – وهى نسبة باطلة إذ أن العمل بالقرآن يوجب العمل بالسنة - ، وتفنيدها ، وبيان عوارها ، لابد أن نبين أن هذه الطائفة تنكر سنة النبى صلى الله عليه وسلم ، و لا تعترف منها إلا بحديث { مَن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبَوَّأ مقعدَهُ منَ النَّارِ } ( رواه البخارى ومسلم ) لكى ترد معظم أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم بدعوى عدم ثبوتها ، وأنها مكذوبة عليه تستوجب عقاب مفتريها بالنار ، ثم لما أسقط فى أيديهم حينما إعترض عليهم بأن القرآن ليس به عدد الصلوات فى اليوم والليلة ، وعدد الركعات فى كل صلاة ، وأنواع الزكوات ، وكيفية الحج ، إضطروا إلى الإعتراف بالسنة المبينة والمفسرة لما ورد بالقرآن ، ونفوا إستقلال النبى صلى الله عليه بالتشريع ، فأنكروا كل أحاديثه التى ليس لها أصل فى القرآن الكريم ، وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم عن هذه الفرقة الضالة ، وحذر أمته من سلوك منهجهم الباطل ، فعن المقدام بن معد يكرب الكندي رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : { ألا إنِّي أوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ معهُ ، لا يُوشِكُ رجُلٌ شبعانٌ على أريكتِهِ يقولُ عليكُم بِهذَا القُرآنِ فما وجدتُم فيهِ مِن حَلالٍ فأحلُّوه وما وَجدتُم فيهِ مِن حرامٍ فحرِّمُوه ، ألا لا يحلُّ لكُم لحمُ الحِمارِ الأهليِّ ، ولا كلِّ ذي نابٍ من السَّبُعٍ ، ولا لُقَطةِ معاهَدٍ ، إلَّا أن يستَغني عَنها صاحبُها ، ومَن نزل بقومٍ فعليهِم أن يُقْرُوه ، فإن لَم يُقْرُوه فله أن يُعْقِبَهُمْ بمثلِ قِرَاه } ( رواه أبو داود وصححه الألبانى ) ، وهذه الطائفة لا تحترم أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا تعترف بها ، وإن إحتجت بحديث فلإنكار آخر - كما سيأتى – ومما يدل على ذلك وصف أحمد صبحى لحديث النبى صلى الله عليه وسلم بـ { الهجص } ، كما أنهم لا يحترمون العلم ، والعلماء ، وليس أدل على ذلك من تطاولهم على الأزهر الشريف ، منارة الوسطية فى العالم الإسلامى ، فليحذر الجميع هؤلاء الضالين ، ولا يرعهم سمعه حتى لا يتعرض لفتنتهم .
أما شبهاتهم ، فتكمن فى الشبهات الآتية :
الشبهة الأولى : تضعيف سند حديث أوس :
قالوا : { أولا : الحديث ضعيف السند ، فيه عبدالرحمن بن جابر ضعفه إبن سعد ، بينما وثقه مسلم والبخاري في الأدب المفرد ، ورد آخرون بل هو عبدالرحمن بن عتيك ( المجهول ) ، والطريق الآخر عند إبن ماجة فيه .. " زيد بن أيمن " .. ضعيف مرسل عند البخاري ، وعليه فالحديث معلق ومختلف عليه .. أي حكمه ضعيف مردود . } اهـ .
الرد عليها : الحديث صححه طائفة من أهل العلم :
قال الشيخ الألباني – رحمه الله - في " صحيح أبي داود " : {
962- عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن مِنْ أفضل أيامكم يومَ الجمعة ، فيه خُلِقَ آدم ، وفيه قُبِض ، وفيه النَّفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا علي من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة علي ". قال : قالوا : يا رسول الله ! وكيف تعْرَضُ صلاتنا عليك وقد أرَمْتَ ؟ ! قال : يقولون : بَلِيت ! فقال : " إن الله عز وجل حَرَّمَ على الأرض أجسادَ الأنبياءِ " .
( قلت : إسناده صحيح على شرط مسلم ، وقال الحاكم : " صحيح على شرط البخاري " ! ووافقه الذهبي ! وصححه إبن حبان أيضا والنووي ) .
إسناده : حدثنا هارون بن عبد الله : ثنا حسين بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، وأبو الأشعث الصنعاني : إسمه شراحيل بن آده ، وقد أخرج له البخاري في  " الأدب المفرد " .
والحديث أخرجه المصنف في " الاستغفار " (1370) من طرق أخرى عن حسين بن علي . وأخرجه أحمد (4/8) : ثنا حسين بن علي الجُعْفِيُ . به . وأخرجه النسائي (03/21) ، والدارمي (1/369) وإبن ماجه (1/336- 337 و 502)
، وإبن حبان (550) ، والحاكم (1/278) ، والبيهقي (3/248) من طرق عن حسين بن علي ... به . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط البخاري " ! ووافقه الذهبي ! وإنما هو على شرط مسلم ، لما ذكرنا في أبي الأشعث .
وقد أعِل الحديث بعلة غريبة ، ذكرها إبن أبي حاتم في " العلل " (1/197) .
وخلاصة كلامه : أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر- وهو شامي - لم يحدث عنه أحد من أهل العراق - كالجعفي - ، وأن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد ، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، وهو ضعيف ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة ، وهذا الحديث منكر ، لا أعلم أحداً رواه غير حسين الجعفي !
قلت : ويعني : أنه أخطأ في قوله : عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، وإنما هو : عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، الضعيف ! وهذه علة واهية كما ترى ، لأن الجعفي ثقة إتفاقا ً، فكيف يجوز تخطئته لمجرد عدم العلم بأن أحداً من العراقيين لم يحدِّث عن ابن جابر ؟ ! وما المانع من أن يكون الجعفي العراقي قد سمع من إبن جابر حين نزل هذا البصرة قبل أن يتحول إلى دمشق ، كما جاء في ترجمته ؟ ! وتفرد الثقه بالحديث لا يقدح ، إلا إذا يثبت خَطَأهُ كماهو معلوم .
وقد أشار إلى هذه العلة الحافظ المنذري في " مختصره " (2/4) ، وفي " الترغيب " (1/249) أيضا ! وأطال الكلام في نقدها الحافظ الناجي فيما كتبه عليه – أعني : " الترغيب " - ، وليس كتابه في متناول يدي الأن ، فإنه من محفوطات المكتبة المحمودية في المسجد النبوي ، وأنا أكتب الأن في دمشق ، ولكنه ختم كلامه بقوله : " ليست هذه بعلة قادحة ".
ويؤيد ذلك تصحيح من صححه من الأئمة المتقدمين ، وقد صححه النووي أيضا في "رياض الصالحين " (ص 428) .
وللجعفي حديث آخر بهذا الإسناد ، ذكرته تحت الحديث المتقدم (373) .
وللحديث شواهد يتقوى بها ، تجد بعضها في " فضل الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لإسماعيل القاضي رقم (23 و 28 و 29) ، والتعليق على حديث الباب منه رقم (22- طبع المكتب الإسلامي- بتحقيقي ) . } اهـ .
ومن ثم يتضح صحة سند الحديث عند كثير من المحدثين السابقين ، والمعاصرين ، وتبطل حجتهم فى تضعيف الحديث .
الشبهة الثانية : إستدلالهم بحديث العباس :
قالوا : { رفض آخرون هذا الهجص  فقابلوه بحديث يقول إنه لما دخل  العباس عم النبى حين مات النبى ، ومكث ثلاثة أيام قبل أن يدفن ( حيث إنشغلوا عن تجهيزه ببيعة السقيفة ) وكان العباس واضعاً يديه على أنفه ، وقال له : (عجلوا بدفن صاحبكم والله إنه ليأسن كما يأسن سائر البشر ) .
الرد عليها : حديث العباس ضعيف :
هذا الأثر أخرجة إبن سعد في طبقاتة فقال : { أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حماد بن زيد ، أخبرنا أيوب عن عكرمة قال : توفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى ! قال : وقام عمر خطيبا يوعد المنافقين ، قال وقال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لم يمت ولكن إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى ، لا يموت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم ! قال : فما زال عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه ، قال فقال العباس : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يأسن كما يأسن البشر ، وإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد مات فادفنوا صاحبكم ، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين ؟ هو أكرم على الله من ذلك ، فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله ، ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا ، أحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق وحارب وسالم ، وما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه بمخبطه ويمدر حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان فيكم . } والحديث من مراسيل عكرمة ، والمرسل كما هو معلوم عند جميع علماء الحديث من أقسام الحديث الضعيف .
ومن العجب أن القرآنيين ، يضعفون حديث أوس بالرغم من تصحيح أعلام السنة له ، ويستدلون بحديث العباس بالرغم من ضعفه ، وعدم تصحيح أحد من علماء السنة له ، وما هذا إلا لقلة بضاعتهم فى علم الحديث رواية ، ودراية ، نتيجة ردهم لسنة النبى صلى الله عليه وسلم ، وإقتصارهم على القرآن فقط ، فحرموا من دراسة الأسانيد ، وعلم الجرح والتعديل ، فخابوا ، وخاب مسعاهم .
الشبهة الثالثة : الأنبياء بشر ، يسرى عليهم ما يسرى على البشر من الموت ، وتحلل أجسادهم :
الرد عليها : عدم تحلل أجسادهم خصوصية لهم :
أن الأنبياء بالفعل بشر ، وقد تواترت الأدلة من القرآن الكريم على إسباغ صفة البشرية عليهم ، ولكنها ليست الصفة الوحيدة لهم ، فلهم صفة أخرى جاءت مقرونة بصفة البشرية ، ألا وهى صفة الرسالة ، قال تعالى : { وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى? تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى? فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى? تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ? قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا } ( الإسراء : 90 – 93 ) ، وقال { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ } ( الكهف : 110 ) ، ومن ثم فلا يجوز فصل الصفتين عن بعضهما البعض ، ولصفة الرسالة إختصه ربه بأشياء ليست لسائر البشر ، ومنها :
1- تنام عيناه ، ولا ينام قلبه ، ولا ينتقض وضوؤه بالنوم  :
أ – فسائر البشر تنام أعينهم وقلوبهم ، ولذلك يتوضؤن إذا ناموا : بينما النبى صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ، ولا ينام قلبه ، ولا ينتقض وضوؤه ، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّهُ سألَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : { كيف كانت صلاةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في رمضانَ ؟ فقالت : ما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِهِ على إحدى عشرةَ ركعةً ، يُصلِّي أربعًا ، فلا تَسَلْ عن حُسنهِنَّ وطُولهِنَّ ، ثم يُصلِّي أربعًا ، فلا تَسَلْ عن حُسنهِنَّ وطُولهِنَّ ، ثم يُصلِّي ثلاثًا . قالت عائشةُ : فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، أتنامُ قبلَ أن تُوتِرَ ؟ . فقال : يا عائشةُ ، إنَّ عيني تنامانِ ولا ينامُ قلبي . } ( رواه البخارى )
وفيه إشارة واضحة إلى أنه إذا نام لا يحتاج إلى وضوء ، وذلك في جوابه على مضمون سؤال عائشة ، ويؤيده حديث إبن عباس رضى الله عنهما قال : { بِتُّ عندَ خالَتي مَيمونةَ ليلةً ، فَقام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مِنَ اللَّيلِ ، فلمَّا كانَ في بَعضِ اللَّيلِ ، قامَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، فتَوضَّأ مِن شَنٍّ مُعلَّقٍ وُضوءًا خفيفًا - يُخفِّفُه عَمرٌو ويُقلِّلُه - وقام يُصلِّي ، فتَوضَّأتُ نحوًا ممَّا تَوضَّأ ، ثُمَّ جِئتُ فقُمتُ عَن يَسارِه - ورُبَّما قال سُفيانُ : عَن شَمالِه - فحوَّلَني فجَعَلَني عَن يَمينِه ، ثُمَّ صلَّى ما شاءَ اللهُ ، ثُمَّ اضطَجعَ فَنام حتَّى نَفخَ ، ثُمَّ أتاهُ المُنادي فآذَنَه بالصَّلاةِ ، فَقام مَعه إلى الصَّلاةِ ، فَصلَّى ولمْ يَتوضَّأْ . قُلنا لِعَمرٍو : إنَّ ناسًا يَقولونَ : إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم تَنامُ عَينُه وَلا يَنامُ قَلبُه ؟ قال عَمرٌو : سَمِعتُ عُبيدَ بنَ عُميرٍ يَقولُ : رُؤيا الأَنبياءِ وَحيٌ ، ثُمَّ قَرأ : { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } . } ( رواه البخارى )
النفخ هو إرسال الهواء من الفم زيادة على المعتاد ، وكان من عادة النبي أن ينفخ ، إذا نام وكان يعرف نومه بذلك كما قالت عائشة رضي الله عنها ، أما الغطيط فاخراج النفس مصحوبا بصوت ، وهذا لم يثبت عن النبي عليه السلام فقد كان على أكمل هيئات البشر .
قال النووي – رحمه الله – فى " شرحه لصحيح مسلم " : { قَوْله : ( ثُمَّ اِضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ ) هَذَا مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَوْمه مُضْطَجِعًا لا يَنْقُض الْوُضُوء ، لأَنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَلا يَنَام قَلْبه ، فَلَوْ خَرَجَ حَدَث لأَحَسَّ بِهِ ، بِخِلافِ غَيْره مِنْ النَّاس } اهـ .
وقال الحافظ  إبن حجر – رحمه الله – فى " فتح البارى " : { قَوْله : ( فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ ) كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَام عَيْنه وَلا يَنَام قَلْبه فَلَوْ أَحْدَثَ لَعَلِمَ بِذَلِكَ ، وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنْ النَّوْم وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا مُنِعَ قَلْبه النَّوْم لِيَعِيَ الْوَحْي الَّذِي يَأْتِيه فِي مَنَامه } اهـ .
ب – وهذه الصفة ليست خاصة به صلى الله عليه وسلم وحده ، وإنما عامة بجميع الأنبياء : وليست لأحد من سائر البشر ، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : { ليلةَ أُسريَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مِن مَسجِدِ الكعبةِ : أنَّه جاءَه ثَلاثةُ نَفَرٍ قَبلَ أن يُوحى إليهِ ، وهوَ نائِمٌ في المَسجدِ الحَرامِ ، فَقال أوَّلُهم : أيُّهم هوَ ؟ فَقال أَوسَطُهم : هوَ خَيرُهم ، فَقال آخِرُهم : خُذوا خَيرَهم ، فَكانت تلكَ اللَّيلةَ ، فَلم يَرَهُم حتَّى أَتَوْه لَيلةً أُخرى فيما يَرى قَلبُه - وتَنامُ عَينُه ولا يَنامُ قَلبُه ، وَكذلكَ الأَنبياءُ تَنامُ أَعينُهم وَلا تَنامُ قُلوبُهم } ( رواه البخارى )

2- أنه كان يرى ما يدور خلفه :
فكل البشر أعينهم فى مقدمة رؤوسهم ، يرون بها ما يدور ، ويحدث أمامهم ، ولا يستطيعون أن يروا ما يحدث  خلفهم ، إلا إذا إستداروا بجسدهم ، وبالرغم من مشاركة النبى صلى الله عليه وسلم للبشر فى تكوين العين – إلا أن الله إختصه بمعجزة رؤية ما يحدث خلفه فيراه دون إستداره ، فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : { أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : هل ترون قِبلَتي ههنا ، فواللهِ ما يَخفى عليَّ خُشوعُكم ولا ركوعُكم ، وإني لأراكم من وراءِ ظَهري . } ( رواه البخارى ) ولذلك فقد رأى أبا بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضى الله عنه لما دَخَل المسجِدَ ونبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم راكعٌ ،  فركَعْ دون الصَّفِّ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : زادكَ اللهُ حِرْصًا ولا تعُدْ . } ( رواه أبو داود وصححه الألبانى )

3- ألين كف ، وأطيب ريح :
فسائر البشر ليست لهم رائحة خاصة بهم ، وإنما يحتاجون لوضع الروائح الطيبة للتزين ، بينما النبى صلى الله عليه وسلم كانت له رائحة طيبة خاصة به ، وليونة كفه ليست كليونة كف سائر البشر ، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : { ما مسستُ بيدي ديباجًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألْينَ مِن كفِّ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولا شممتُ رائحةً قطُّ أطيبَ من ريحِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ } ( رواه البخارى )
وهذه الصفات السابقة – وغيرها من الصفات الخاصة به ، ولم نذكرها – التى يتصف بها النبى صلى الله عليه وسلم وحده ، ولا يشاركه فى الإتصاف بها أحد من البشر ، تدل – بما لا يدع مجالا للشك – أن للنبى صلى الله عليه وسلم خصائص ينفرد بها عن سائر البشر ، ولا تقدح هذه الصفات الخاصة فى بشريته ، فالقاعدة : أنه يسرى عليه ما يسرى على سائر البشر ( من الأكل ، والشرب ، والزواج ، وقضاء الحاجة ، والمرض ، والسعادة ، والحزن ، والموت ) ما لم يأت الدليل على خصوصيته بما ينفرد به عنهم .
وقد قدر الله الموت على كل النفوس بما فيهم الأنبياء ، فقال تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } ( آل عمران : 185 ) ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } ( الزمر : 30 ) ، وقال له أيضا : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } ( الأنبياء : 34 ) ، وبالرغم من مشاركتهم لسائر البشر فى الموت ، إلا أن الله إختصهم بحياة برزخية ليست كحياتهم ، كما إختصهم - أيضا - بعدم أكل الأرض لأجسادهم ، معجزة لهم ، ومن على بعض أوليائه بعدم أكل الأرض لأجسادهم ، كرامة لهم - أيضا – فالمعجزة ، والكرامة ، آيات الله الخارقة الدَّالة على النبوَّةِ الصَّادقة والوَلاية الصادقة ، فهما من جنسٍ واحد ، ولكن لا يلزمُ من هذا أنْ تكونَ المعجزةُ والكرامةُ متساويتيْنِ في الحقيقةِ ، فأن الأمرَ الخارقَ في المعجزة والكرامةِ لا يملِكُ العبدُ الصَّالحُ أن يأتيَ به إذا أراد ، كما أنَّ النبيَّ لا يأتي بالمعجزةِ من عند نفسِه ، بل اللهُ يأتي بها وحده .
ومن ثم فإن عدم أكل الأرض لأجساد الأنبياء خصوصية لهم لا تتنافى مع بشريتهم ، مثلها مثل خصوصياتهم السابق ذكرها آنفا ، وعليه فلا يجوز الإحتجاج بالبشرية لنفى هذه الخصوصية ، وتضحى حجتهم داحضة ، أوهى من بيت العنكبوت .
الشبهة الرابعة : كيف للأرض علم بأجساد الأنبياء ، أو غيرهم :
قالوا : { ولا عبرة بالخرافة التى تقول إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، فكيف للأرض علم بأجساد الأنبياء أو غيرهم } اهـ .
الرد عليها : معرفة الأرض لهم بوحى الله لها :
فما ذكروه يتناقض مع ما جاء بالقرآن من إثبات إحساس للكائنات ، والجمادات ، خاص بها لا يفقهه البشر ، فالأرض والسموات من مخلوقات الله ، يشعران شعورا خاصا بهما لا يفقهه الناس ، ومنه  

1- تسبيح الله :
 قال تعالى : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَ?كِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ? إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } ( الإسراء : 44 ) ،

2- البكاء على المؤمنين :
ويبكيان على المؤمنين ، ولا بيكيان على الكافرين ، قال تعالى : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ } ( الدخان : 29 ) ،

3- معرفة الطائع ، والعاصى :

وتعرف الأرض الطائع ، من العاصى ، ولذلك تشهد عليهم بما فعلوا عليها من طاعات ، أو معاصي ، يوم القيامة ، قال تعالى : { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } ( الزلزلة : 4 ) قال الطبرى – رحمه الله – فى " تفسيره " : { وقيل : معنى ذلك أن الأرض تحدث أخبارها ، من كان على ظهرها من أهل الطاعة والمعاصي ، وما عملوا عليها من خير أو شرّ ... ( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ) قال : أعلمها ذلك . } اهـ
وكانت أرض مكة تعرف النبى صلى الله عليه وسلم وتسلم عليه ، فعن جابر بن سمرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : { إنِّي لأعرفُ حجرًا بمكَّةَ كان يسلِّمُ عليَّ قبل أنْ أُبعثَ . إنِّي لأعرفهُ الآن } ( رواه مسلم ) .
فإذا عرفت الأرض – بوحى الله - من يسير عليها حال حياته ، فمعرفتها به وهو فى بطنها بعد وفاته ، من باب أولى ، ومن ثم فإن الأرض تعرف أجساد الأنبياء ، وقد حرم الله عليها أن تأكل أجسادهم ، وتعرف أيضا أولياء الله الصالحين ، الذين قدر لهم بقاء أجسادهم دون تحلل ، فلا تأكلها ، وتلفظ العاصى الذى أمرها ربها بلفظه ، ليكون عبرة لغيره ، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : { كان رجلٌ نصرانيًّا فأسلمَ ، وقرأَ البقرةَ ، وآلَ عمرانَ ، فكان يَكتُبُ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فعاد نصرانيًّا ، فكان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبْتُ له ، فأماتَه اللهُ فدفنوه ، فأصبحَ وقد لَفِظَتْه الأرضُ ! فقالوا : هذا فعلُ محمدٍ وأصحابُه لَمَّا هربَ منهم ، نَبَشُوا عن صاحبِنا فأَلْقُوه . فحفروا له فأعمقوا ، فأصبحَ وقد لَفِظَتْه الأرضُ ! فقالوا : هذا فعلُ محمدٍ وأصحابُه ، نَبَشُوا عن صاحبِنا لما هربَ منهم فأَلْقُوه . فحفروا له وأعمقوا له في الأرضِ ما استطاعوا ، فأصبحَ وقد لَفِظَتْه الأرضُ ، فعلموا أنه ليسَ مِن الناسِ فأَلْقُوْه . } ( رواه البخارى ، ومسلم )
ومن ثم فقد بطلت حجتهم هذه أيضا  .
الشبهة الخامسة : لو لم تتحلل أجسام السابقين ما ورثناهم أو إستطعنا العيش مكانهم :
قالوا : { تحلل الأجسام سنة إلهية لديمومة الحياة على الأرض ، فلو لم تتحلل أجسام السابقين ما كنا ورثناهم أو استطعنا العيش مكانهم ، ومبدأ إعتبار بقاء الجسم ككرامة من الله لا يستقيم شرعا ، فالله يريد لنا العيش وأن نرث السابقين لا أن يخلد السابقون فتهلك الحياة على الأرض .. } اهـ .
الرد عليها : قولهم تعميم فى غير موضعه :

لأننا لم نقل بعدم تحلل أجساد جميع البشر ، وإنما ما أثبتناه هو عدم تحلل أجساد جميع الأنبياء ، وبعض الأولياء ، وهؤلاء لا يشكلون ذرة فى عدد البشر من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولا يشكل عدم تحلل أجسادهم ثمة مشكلة على الإطلاق ، ولا يعيق وراثتهم ، والعيش مكانهم ، لأنهم مدفونون فى باطن الأرض ، ونحن نعيش فوقها ، قال تعالى : { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } ( المرسلات : 26 ) قال القرطبى – رحمه الله – فى " تفسيره " : { قوله تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها } اهـ .
كما أننا لم نقل بأن عدم تحلل أجسادهم معناه خلودهم على الأرض ، فهو إستدلال فى غير موضعه .

الشبهة السادسة : تحلل الأجسام لا يعني إمتهان الجسد أو كراهية صاحبه أو إزدراء دينه وسيرته :

قالوا : { تحلل الأجسام لا يعني إمتهان الجسد أو كراهية صاحبه أو إزدراء دينه وسيرته ، والكاذب الذي وضع الحديث كان يعتقد أن بقاء الجسد يحفظ كرامة وشرف صاحبه ، لأن الروائح الكريهة والمنظر القبيح مؤذية .. فلا يليق أن يؤذي نبيا بشرا حتى بعد موته .. والرد على ذلك أن الأنبياء بشر .." قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ".. ( الإسراء : 93 ) فإذا كان النبي بشرا لماذا لا يخضع لقانون الأجسام ؟ .. هنا سنعتبره ملاكا أو كائنا مختلفا .. } اهـ .
الرد عليها : أنه قول يفتقر إلى الدليل :
فمن قال أن تحلل الأجسام يعنى إمتهان الجسد ، أو كراهية صاحبه ، أو إزدراء دينه وسيرته ؟!! ولماذا إتهمتم الصحابى الجليل ، وكاتبى السنن بالكذب ، ووضع الحديث ؟!! وغاية ما ذكرناه أن بقاء جسد الأنبياء ، وبعض الأولياء أمر خارق للعادة يدل على قدرة الله ، يظهره الله على يد أنبيائه معجزة لهم ، وعلى يد أوليائه كرامة لهم .
كما أن قولكم { لأن الروائح الكريهة والمنظر القبيح مؤذية .. فلا يليق أن يؤذي نبيا بشرا حتى بعد موته } مناف للبشرية التى تتمسكون بها ، إذ أن البشرية تقتضى دفن الموتى فى الأرض ، فكيف لمن دفن فى الأرض أن يؤذى غيره بمنظره أو رائحته ؟!!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

كيف تنظر إلى ملابس الفنانات خلال المهرجانات الفنية؟

  • عصر

    02:40 م
  • فجر

    05:21

  • شروق

    06:50

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى