• الأربعاء 24 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر01:28 ص
بحث متقدم

رسائل أبطال والحرية

مقالات

لبريق الشهرة، والرغبة في التصدر سطوة على بعض النفوس، وأن يكون المرء نجما مشهورا يشار إليه بالبنان ثمنا يدفعه من يطلبون ذلك ويسعون إليه، ولابد لتحقيق هذا الهدف من دوافع تدفع بأصحابها إلى التفوق والتميز، وربما تصل في بعض الحالات إلى المجازفة والمخاطرة بالحياة في بعض الأوقات وعند بعض الناس وليس كل الناس طبعا، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأشخاص.
غير أن هذه الرغبات التي تسيطر على الفرد شيء، والاستجابة لنداء الضمير الحي في الذات الإنسانية شيء آخر. 
الأولى: شهوة نفس متطلعة تمليها على الفرد مغريات الحياة، بينما الثانية: فطرة تدفع بصاحبها إلى الانحياز للحق في الحرية والعدالة وحماية الكرامة للذات أو للآخرين.
ومعروف أن الفطرة قاسم مشترك بين كل البشر، غير أن الاستجابة لندائها تختلف من شخص لآخر، ويلاحظ من تجارب الشعوب وتراكم الخبرة في المجتمعات أنها عند الشرفاء والأحرار أقوى وأعلى، ومن ثم فهي تدفعهم ليكونوا بجوار الحق والحرية.      
ولذلك تسمع أصوات هؤلاء الأحرار وترى مواقفهم المبهرة وسط تزييف الإعلام بطبوله الجوفاء وهي تهتف للباطل وتروج له وتدعو الناس إليه، وقد يشعر هؤلاء الشرفاء لبعض الوقت أنهم غرباء بين ضجيج المظالم وصراع المصالح وخبث السياسات، لكنهم رغم هذا الإحساس يتقدمون الصفوف وكأنهم نغم طاهر أقسم أن يعلو ويرتفع بين صيحات فاجرة.   
من هؤلاء فرانك رومانو وهو يهودي مولود في الولايات المتحدة ويحمل الجنسيتين الفرنسية والأميركية ويعمل أستاذا للقانون في جامعة نانتير بباريس.
وقف متضامنا مع أصحاب الحق وأصحاب الأرض في قرية الخان الأحمر وتصدى مع الفلسطينيين للجرافات وآليات الدمار الصهيونية ليؤكد للعالم معنى المأساة التي يعيشها الفلسطينيون ومعنى التعذيب اليومي الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلية عليهم.
ومنهم أيضا راشيل كوري Rachel Corrie) :) هي أمريكية من مواليد 10 أبريل 1979  عضوة في حركة التضامن العالمية (ISM) وسافرت لقطاع غزه بفلسطين المحتلة أثناء الانتفاضة الثانية حيث قتلت بطريقة وحشية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي عند محاولتها إيقاف جرافة عسكرية تابعة للقوات الإسرائيلية كانت تقوم بهدم مباني مدنية لفلسطينيين في مدينة رفح ب قطاع غزّة.قتلت بتاريخ 16 مارس 2003.
راشيل ورومانو كلاهما أمريكي الجنسية والمولد وبلدهم هي من يمد إسرائيل بكل مقومات الحياة بداية من السلاح والصناعات الدقيقة وحتى رغيف الخبز والمعونات تزداد في كل عام ، وكان يمكن لكل منهما أن يكون تابعا لسياسة بلده مكتفيا بمواقف القادة السياسيين باعتبارهم أهل الاختصاص والمسؤولين عن تقدير مصلحة الوطن وأمنه القومي، لكنهما تمردا على هذا الظلم وقرر كل منهما أن يواجه الظلم ويقف في وجه الة الموت ولو بصدور عارية تماما ، كما يفعل الفلسطينيون أصحاب الأرض.
 رؤيتك للصورة هنا تحزنك على الحق الضائع أمام قوة الباطل، وتبهرك بنفس الحجم والمقدار أمام التضحيات التي نبعت من قناعات مؤسسة على قيم سيادية هي الشرف والرجولة وحرية الإرادة والفكر والانتصار للحق، يقدمها هؤلاء كدليل على أن هذه القيم سيادية حتى في نفوس أصحابها ومن أجلها يخاطرون بحياتهم، وهذه هي الرسالة الأولى.
أما الرسالة الثانية فهي أن هذه القيم ليس لها جنس ولا وطن، وليست قاصرة على بيئة بعينها،
قد تتوافر هذه القيم السيادية في بيئة بكثرة، وقد تندر في بيئة أخري، لكنها لا تنعدم أبدا في كل البيئات وفي كل الزمان،
ارتباطها بالفطرة الإنسانية يجعلها تتجاوز حدود الجغرافيا ونقاط التفتيش، كما تتجاوز حدود الزمان لتعيش في التاريخ، بأبعاده الثلاثة: الماضي منه والحاضر والمستقبل.
وهذه القيم ليست بضاعة في الأسواق يمكن لأي واحد أن يشتريها، لا لأن ثمنها "ماليا" فوق مستوى الطاقة، وإنما لأنها من عالم المعاني وليست من عالم الأشياء، ومن هنا فثمنها باهظ التكاليف لا يستطيع دفعه إلا أولو العزم من الرجال الأشداء. 
وفي مقابل هذا النوع من الرجولة والرجال تقف الزعامات الفارغة والتي قامت على شرعنة مزيفة، تحاول محاصرة هذا النوع من الرجال، ولأن الاستبداد لا يملك البنية الذهنية التي تجعله يعتمد العقل ليحاور ويكف عن اعتماد القتل والسجن ليعيش، فإن هذه الزعامات الفارغة تعتبرهم العدو الأول فتبدأ في تشويه سمعتهم وفي مطاردتهم والتضييق عليهم. 
أما أهل البطولة والرجولة فربما مات أحدهم في صمت أو اغتالته يد الغدر بعيدا عن الظهور الذي لا يبتغيه، ولا الشهرة التي يترفع عنها ولا يرغب فيها، لكن إرادة الله خالقه وسيده تسخر له حماقات الباطل وغباءه ليجعله في قلب دوائر الضوء المشرق ومن ثم يتحول إلى نموذج وقدوة، ووحدة في قياس البطولة لجيلهم ولكل جيل، ولزمانهم ولكل الزمان، من ناحية.
ومن ناحية أخرى ليتأكد للبشر أن غباء الباطل يساعد في تنفيذ أقدار الله وتحقيق مراده حتى يكون سببا في جعل هؤلاء الأبطال مصدرا للإلهام ومنارات لكل الرجال الذين يعملون بعيدا عن الظهور والشهرة، ولتتحقق في الخلق الحكمة التي تكل كل محب لمحبوبه، وكل عابد لمعبوده
" من أحب الظهور فهو عبد الظهور،
ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء،
 ومن أحب الله فهو عبد الله، إن شاء أظهره، وإن شاء أخفاه." 
وهنا نجد للتاريخ موقفا من هؤلاء وهؤلاء. فهو يظهر قوما ويدفن آخرين، يرفع قوما حتى درجة الخلود ويضع آخرين في قاع الجحيم. 
مَنْ مِنَ الناس لا يعرف آل ياسر، سمية وعمار؟
من من الناس لا يعرف خباب ابن الأرت
من من الناس لا يعرف مصعب بن عمير.
من من الناس لا يعرف جعفر ابن أبي طالب.
مَنْ من الناس لا يعرف بلالا وصهيبا وبقية الأبطال؟
ومن من الناس لا يعرف الحسن والحسين.
من من الناس لا يعرف عمر المختار وعبد الكريم الخطابي والأمير عبد القادر            الجزائري ومالك ابن نبي وغيرهم. 
ومن من الناس لا يعرف سيد عصره ووحيد زمانه، وأبا الأعلى في مكانه ومكانته
من من الناس لا يعرف عباس مندريس وسعيد النورسي. وبقية الأبطال؟
من من الناس لا يعرف عز الدين القسام والشيخ ياسين. 
ثم نسأل أيضا: 
ومن من الناس يعرف من سجنوهم وعذبوهم وقتلوهم.
 التاريخ أشاح بوجهه عمن سجنوهم وعذبوهم وصادروا حرياتهم وحاولوا النيل  من عزة إيمانهم وكرامة دينهم.
 وإذا ذكرهم التاريخ، فإنما يذكرهم متوشحين بالعار الذي لا ينفك عنهم يستجلب عليهم لعنات الله والملائكة والناس أجمعين.  
غباء الباطل وأذنابه يقف بهم عند حدود اللحظة الآنية حين تكون القوة بأيديهم، ويعمى أبصارهم فيغفلون عن امتداد الزمان، ويغفلون عن تحول الأيام والدول، ويغفلون أيضا عن امتداد الحقائق التي تفضح مواقف العار ومواقعه وتكشف المصير المشؤوم الذي ينتظر الطغاة والجبابرة الذين يعذبون الناس.   
جاء في الحديث الشريف " عن هشام بن حكيم بن حزام -رضي الله عنه - أنه مر بالشام على أناس من الأنباط "[1].وقد أقيموا في الشمس، وصُب على رؤوسهم الزيت!
فقال: ما هذا؟!!
قيل: يعذبون في الخراج! والخراج هو نوع من الأموال التي تتولي الدولة جبايتها وصرفها من ضرائب المحاصيل الزراعية التي تفرض عليهم، وقد عجز هؤلاء عن دفعها إما لارتفاع قيمتها وإما لعدم صحة المحاصيل والنقص في انتاجيتها.
فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) فدخل على الأمير فحدثه، فأمر بهم فخلوا.[2]
كما يعمي هذا الغباء وتلك الحماقات إدراكهم عن الوعي بالحوار الحي الذي ساقه الوحي إلى الناس كي يعوا ويتبصروا، وهو حوار كارثي يقع بين الأذناب وأسيادهم الذين سلطوهم على خلق الله وكأنهم كلاب ضالة وجائعة {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} الأحزاب 66 ــ 68}
كراهية الحق هنا لا مبرر لها، ثم إنها نوع من الانتحار لأنها تقذف بأصحابها في قلب الجحيم الذي لا فكاك منه ولا خروج؟  فكيف يقايض العقل ويقبل؟ 
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ. لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} الزخرف 77 ـــ 78
في الحوار الكارثي يلقي كل من المأمور والآمر بالتبعة على الآخر في ثرثرة فارغة تشبه ثرثرة المجرم حين يحكم عليه بالإعدام فيهذى بكلام لا معنى له، ويلقى بتبعة إجرامه على مجرم آخر قد نال عقابه أيضا.{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ .وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }البقرة  166ـ 167
بين الطغيان قديما وحديثا صلة قرابة ونسب غير شريف، أحلامهم في البغي والتسلط واحدة، وعقولهم لا تعتبر بحقائق التاريخ، بل طغيانهم فقط هو الذي يتجاوز حدود الجغرافيا وكأنه طاعون ليصل إلى كل أرض فاقدة لمناعة المقاومة وقابلة للطغيان والقهر والاستذلال، 
تشابهت القلوب فتشابهت المواقف حتى يخيل إليك أن وصية شيطانية تجمع بينهم، وتختلط بجيناتهم، لكنها في الحقيقة طبائع الاستبداد أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} الذاريات 53  
{أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} الطور 32
كل هذه الحوادث تعيها الذاكرة ولا تنساها، ويتذكرها العقل الجمعي للمسلمين كلما تشابهت المواقف، وكأن صفة الطغيان واحدة لا تتغير على مدار العصور، يتغير فقط أدوات التعذيب وآلياته، ويتبدل الأذناب الذين ينفذون، فهل يتذكرها عبيد المأمور الذين لاعقل لهم.؟ 
هل يٌقَدّر هؤلاء حجم ما يقومون به من كوارث حين يطاردون الشرفاء ويسجنونهم ويعذبونهم ويدفعونهم لترك أوطانهم والهجرة بعيدا عن مسقط الرأس ومحضن الطفولة وموطن الذكريات.؟

** المفتي العام للقارة الأسترالية


هوامش:
[1]-   الأصل أن الأنباط مجموعة من العرب القدماء الذين كانوا يقطنون في شمال الجزيرة العربية والمقصود هنا أنهم جماعة من الفلاحين يزرعون الأرض وعجزوا عن دفع الخراج الذي هو نوع من الأموال تتولي الدولة جبايتها وصرفها من ضرائب المحاصيل الزراعية التي تفرض عليهم. 
[2] - رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:45 ص
  • فجر

    04:45

  • شروق

    06:09

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:54

  • مغرب

    17:19

  • عشاء

    18:49

من الى