• الخميس 27 يونيو 2019
  • بتوقيت مصر08:20 ص
بحث متقدم

طموح وسياسة ورصاصة مئوية السادات(2-2)

مقالات

في حياة الرئيس السادات ثلاث محطات رئيسية.. المحطة الأولى مايو 1971 م المحطة الثانية نوفمبر 1977 المحطة الثالثة أكتوبر1981م  والتى هى محطة(رصاصة في العنق)والتي أنهت رحلة طموح  وسياسة استمرت ما يقرب من نصف قرن..مات السادات كما مات السابقون وكما سيموت اللاحقون وكما تأملهم الشاعر الكبير(المتنبى) بسؤال الدهر:
أين الأكاسرة الجبابرة الألى** كنزوا الكنوز فما بقين وما بقوا.؟؟
من كل من ضاق الفضاء بجيشه**حتى ثوى فحواه لحد ضيق.
وهو سؤال ملىء بالتأمل. ملئ  بالدهشة. ملئ بالدنيا والدنايا الدنيئة , ذلك أن ما من أحد ملك وساد فطغى وتجبر إلا وقد مر عليه هذا السؤال بينه وبين نفسه أو بينه وبين مساعديه على الأقل ومع ذلك ومع تأكده من نهايته وذهابه الى القبر الضيق. فإنه يطغى ويتجبر أكثر ممن كان قبل..لكنه يصر على السير في نفس الطريق منتهيا نفس النهاية. كمن يشرب من السم الذى شربه غيره أمام عينه فمات لكنه لا يصدق فيشربه هو للتجربة..فيموت!! كأنه من فصيلة بشرية مختلفة عن الذى سبقه و رأى نهايته بعينه.
المحطة الأولى :مايو 1971 يمكن تلخيصها في جملة واحدة (إخلاص وأصالة الفريق محمد صادق) قل ما شئت عن أى أحد كان في صف السادات ..لكن وكما هو المعتاد دائما تكون الكلمة الفاصلة لمن يملك تحريك وتفعيل القوة الجبرية النافذة والتي لحسن حظ مصر وأيضا حظ السادات كان رجلا بأخلاق وأصالة  الفريق محمد صادق. كان الرجل من بيئة شريفة أصيلة فقد كان أبوه قائد بوليس السرايات الملكية في عهد  الملك فؤاد والملك فاروق( اللواء أحمد باشا صادق ) وكان هو نفسه مديرا للمعلومات الحربية من 1966-1969 وكشف ثلاث محاولات انقلاب عسكري في هذه الفترة طلب منه عدم إجراء تحقيقات فيها وتم تعيينه رئيسا لأركان الجيش خلفا للمشير أحمد إسماعيل بعد حادثة الزعفرانة.

يقول الفريق صادق فى مذكراته التى حررها له الصحفي محمد أمين: ( الفريق فوزى لم يكن يعلم موقفى من الصراع الدائر حول منصب رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت كنت أرى أن صالح مصر فوق الجميع وان تسلم السادات لمسئوليته كرئيس للجمهورية وفقا للدستور يساعد على استقرار الأوضاع خاصة أن العدو الإسرائيلي على بعد 120 كيلو مترا من القاهرة وقضية مصر الحقيقية فى تلك المرحلة هى الاستعداد لمعركة الكرامة لكن الفريق فوزى كان له رأى آخر وفوجئت به يعرض على خطة لتحرك بعض تشكيلات ووحدات القوات المسلحة فى إطار إجراءات التامين وأدركت ما يدور خلف هذه التحركات(الاستعداد لانقلاب عسكري) فسألته عن الهدف من هذه التحركات فلم ينكر أنه انقلاب وقلت له أن الاستيلاء على السلطة بالقوة سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام الطامحين والطامعين فى الوقت الذى مازال العدو الحقيقي لمصر قابعا على أرض سيناء وتراجع الفريق فوزى عن الفكرة بعد أن شعر أنى لن أنضم إليه وبصفتي رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة فسوف أكون عائقا أمام هذه الفكرة. حاولت جاهدا ان أجنب القوات المسلحة الدخول كطرف في الصراع ..سمعت نبأ الاستقالات الجماعية فى الإذاعة فعدت فورا إلى الوزارة واتصلت بالرئيس السادات لأول مرة تليفونيا وقلت له أن القوات المسلحة خارج الصراع وإنها لا تكن أى ولاء إلا للسلطة الشرعية ولمصر وعليه ان يتصرف وهو على يقين من ذلك، فرد الرئيس السادات قائلا: أنا كنت ابحث عنك وعاوزك تيجى دلوقتى لتحلف اليمين كوزير للحربية فأوضحت له أننى لا استطيع ان أترك مكاني حاليا فى القيادة وعندما أطمئن الى استتباب الوضع سأتى (أربع مرات يتصل به السادات ولا يجئ..!!؟ وأخيرا وبعد الاطمئنان على أمن وسلامة القوات المسلحة وتأكده من استقرار الأوضاع ذهب إلى منزل الرئيس) ..الذى استقبلني فاتحا ذراعيه شاكرا كل ما قمت به لإنقاذ مصر وإنقاذه شخصيا وعائلته فأجبته بأنني كل ما فعلته كان من أجل مصر..ورجوته أن يعفيني  من منصب وزير الحربية وأن أبقى رئيسا للأركان لأدير المعركة قريبا مع العدو ولكنه أصر وأمر بترقيتي  إلى رتبة فريق أول..وجاء بعده الفريق الشاذلى والذى لم يكن بينهما توافق سابق!
موقف الجيش فى هذا التحول التاريخي كان عظيما ويعبر عن روح وطنية صلبة وعالية ومتعالية أيضا.. سنعرف المفاجآت عن موقف الليثي ناصف الذى كان من مجموعة على صبري. يقول صادق:(كنت قد أبقيت الحرس الجمهوري كآخر قوة أقوم بتأمينها وأمنع تدخلها فى الصراع على السلطة لحساب أى طرف واستعنت بالفريق أول سعد الدين متولى كبير الياوران في الرئاسة وقتها وهو رجل وطني وشرحت له الموقف وخطورته واتفق معى فى وجهة النظر التى تؤكد على خطورة ما يحدث على أمن مصر وشعبها وطلبت منه ان ينقل رسالة إلى الليثى ناصف عن خطورة تصرفاته وخطورة ما سيترتب عليها من نتائج سيتحمل هو بمفرده مسئوليتها وأنى كرئيس أركان لن أسمح لأى وحدات بالخروج من معسكرات الحرس الجمهورى  وسأعطى أوامر بنصب كمائن صواريخ مضادة للدبابات على حول معسكرات الحرس و لديها أوامر بإطلاق نيرانها على أى قطعة تخرج إلى الشارع. وأردت برسالتي تلك أن يعرف الليثى ناصف أنى أقف مع مصر ونجح سعد متولى فى مهمته  وأبلغ الليثى ناصف انه يضع نفسه وقواته تحت تصرف رئيس الجمهورية.. سنفهم بعدها لماذا عزله السادات بعد ذلك ولماذا انتحر أو لماذا حدث له ما حدث في نفس الشارع ومن نفس العمارة الشاهقة في لندن والتي حدثت فيها أشياء أخرى مشابهة. كان لبقية الأجهزة  دورا هاما أيضا ويحكى المشير احمد إسماعيل: فوجئت بمدير مكتب الرئيس السادات يطلبني للمجيء على الفور وذهبت لأعود مرة ثانية إلى الخدمة العسكرية.. وكان اختيار السادات لى لرئاسة جهازا هاما ما هو إلا تمهيدا  لتولى أمور القوات المسلحة بعد أن تتهيأ الأمور.
سيعزل السادات الفريق صادق (15/10/1972م) بعد زيارة له للاتحاد السوفيتى ونشر الأهرام لصورة لقائهما في الصفحة الأولى(إبحث عن أ/هيكل!؟)وأصلا ما كان له أن يبقيه  بعد دوره الحاسم في أحداث مايو 71. سيعين مكانه احمد إسماعيل الشديد الخصومة مع رئيس الأركان(الجديد)الفريق الشاذلى وتدخل بهما القوات المسلحة حربها العظيمة ثم لا تلبث أن تخرج مصر من هذه الحرب مستهلة عهد جديد بدأ أساسا من يوم 15 مايو 1971 . 

المحطة الثانية نوفمبر 1977: كانت بوقوف السادات أمام مجلس الشعب في 9/11/ 1977 ليقول :ستدهش إسرائيل حينما تسمعني الآن أقول أمامكم إني مستعد إلى الذهاب لبيتهم نفسه إلى الكنيست ذاته .
وبالفعل في 19/11/ 1977 ذهب  وزار الكنيست وألقى خطابا أكد فيه أن السلام في الشرق الأوسط ممكن لكنه بحاجة إلى زعماء شجعان وقال(السلام لنا جميعًا.على الأرض العربية وفي إسرائيل وفي كل مكان من أرض العالم الكبير المعقد بصراعاته الدامية المضطرب بتناقضاته الحادة والمهدد بين الحين والآخر بالحروب المدمرة تلك التي يصنعها الإنسان ليقضي بها على أخيه الإنسان..).
لكن إبراهيم كامل  وزير الخارجية المستقيل يقول في كتابه (السلام الضائع في اتفاقات كامب ديفيد):ما قبل به السادات بعيد جدا عن السلام العادل وكامب ديفيد لم تشر بصراحة إلى انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة والضفة الغربية ولم تتضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.. وبدأت المقاطعة العربية وعقد مؤتمر قمة رفضت فيه كل ما صدر عن التحركات المصرية ثم اتخذت جامعة الدول العربية قراراً بنقل مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجاً على الخطوة المصرية.. ويستطرد قائلا: الاتفاقية كانت في صالح إسرائيل كليا حيث تغير التوازن العربي بفقدان مصر لدورها المركزي في العالم العربي وفقد العالم العربي أكبر قوة عسكرية عربية متمثلة بالجيش المصري ).
أدى ذلك بالتالي إلى نشوء صراع زعامة في العالم العربي(صدام والقذافى والأسد ..) لسد الفراغ الذي خلفته مصر وقام العراق على وجه السرعة بعقد قمة لجامعة الدول العربية في بغداد قررت نقل مقر الجامعة العربية من مصر وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها ..
المشرق العربى بعد زيارة القدس وكامب ديفيد يختلف كليا عنه قبل ذلك ..سيتعاظم دور إسرائيل  من خلال هذه الثغرة الواسعة التى أحدثتها هذه الاتفاقية في بنيان الأمة ووحدتها وسيزداد ذلك أكثر وأكثر في عهد مبارك ..
وستمرح إسرائيل  وتسرح كما تشاء..ليكون الوضع العربى والقومى الراهن على أسوأ ما يكون..ولعلكم سمعتم ما قاله نتنياهو في البرازيل الأسبوع الماضي .
المحطة الثالثة أكتوبر 1981م :كانت النهاية التى أنهت حياة رجل ونظام حكم اعتمد بالكامل على تحركات هذا الرجل الصاخبة والمفاجئة .. ستتردد كثيرا مقولة ان السادات قتل على أيدى الجماعات الإسلامية التى شجعها لمحاربة اليسار..هى من أكذب أكاذيب التاريخ الحديث..فالتيارات الدينية انتشرت في مصر من بعد كارثة كل يوم( 1967) وفى الأصل خرج الإخوان من السجون بعد انتهاء مدة سجنهم عام 1974(عشرون عاما )..واليسار كان في الأصل  قد انهار انهيارا مهيرا  فى أفكاره وتنظيماته وأحيلكم إلى كتاب(المبتسرون)للراحلة اروى صالح لتعرفوا كل الحقائق عن هذه الأكذوبة .
يقولون ان كل زمن يطلب أهله.. وانتهى زمن السادات _بأفكاره وسياساته وعلاقاته _ وكان لابد أن ينتهى السادات.. وبدأ زمن أخر مختلف  لكنه  تأثر كثيرا بما  تركه السادات من أثر.
ولتدخل مصر بعدها عهد مبارك والذى سيتم فيه هدم أركان ومقومات الشخصية المصرية والأخطر..هدم أركان ومقومات الشخصية القومية .وكما قال محمود سامى البارودى (ناظر الجهادية والبحرية عام 1882م) واحد أبطال الثورة العرابية :
لكننا غرض للشر في زمن ** أهل العقول به في طاعة الخمل
وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة ** بعد الإباء وكانت زهرة الدول

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

برأيك.. ما هو أفضل فيلم تم عرضه بعيد الفطر؟

  • ظهر

    12:03 م
  • فجر

    03:16

  • شروق

    04:58

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    19:08

  • عشاء

    20:38

من الى