• الأحد 18 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر05:30 ص
بحث متقدم

فشل المنتخب.. الطبيعة وما وراء الطبيعة

مقالات

كان خروج المنتخب من تصفيات الدورة الأفريقية (2019) حدثا سيئا ومحبطا وأصاب المصريين بنوع من الحزن البارد والدهشة الخامدة وهو شعورغريب على المصريين في حقيقة الأمر وهم من هم في الشغف والحماس بالكرة وبالمنتخب القومي.. وأختلف المفسرون لذلك بأسباب عدة منها ان النتيجة كنت متوقعة قياسا الى المباريات السابقة ومنها الى الشعور العام بضغوط الحياة ومنها إلى الإحساس بالتدخل المبالغ فيه في تنظيم الجماهير وهو شيء غيرمألوف بالمرة لدى جماهير الكرة الحقيقيين والذين هم اغلبهم من بسطاء الناس(الترسو) بل هم الجماهير الحقيقية التى طالما أزرت المنتخب أينما كان .
نحن أمام حالة فشل رديئة ومزرية قياسا إلى ما يمكن تسميته بالفشل الشريف الكريم.. فالأول تنضح منه أنواع الإهمال والتسيب والفساد والعجز والثاني يشى بالجهد والتعب والجدية في السعى لتحقيق الهدف.. لكنك في النهاية تجد له عذرا قائلا :
وما الذنب الا العجز يركبه الفتى ** وما ذنبه ان حاربته المطالب.
واضح طبعا ان الفريق ومنظومته الإدارية والفنية قد ركبوا العجز ركوبا راكبا ركيبا حتى رقابهم . تقول الحكاية أن الفساد قد بلغ ذروته داخل اتحاد الكرة على كافة المستويات ,, وذلك أولا وأخيرا وأوسطا على حساب المصلحة العامة..


******

يقولون أن اعظم مخاطر الحياة لا تأتى من الأعداء بل من الحلفاء والأصدقاء الذين يدًعون العمل من اجل المصلحة العامة,, سنكتشف تدريجيا أن مصطلح(المصلحة العامة)ومفهومة قد تبخرا تماما ,,بل يكاد يكون الحديث عنها حديث قديم وبالى ويصيب من يسمعه بالدهشة رغم أن كلمة(مصلحة) وحدها منتشرة بين الناس بشدة على مستوى تبادلهم للمنافع الشخصية ,, وهو واقع أليم ويشير الى حالة تفكك وسيولة خطيرة ,, وعلى الأجهزة المعنية الانتباه لذلك وهو ما يلقى بمسؤولية كبيرة أيضا على النخب والرموز الذين ينحون فى سيرة حياتهم ومواقف اشتباكاتهم في الحياة منحىً شخصيا وذاتيا يمثل الصالح العام فيه برواز الصورة لا أكثر..
سنجد ان هذه الخيبة (الأنانية والمصلحة الشخصية)تتسع دائرتها لتمتد الى الفن والتمثيل والى الأندية الرياضية ورؤساؤها والى الإعلام ونجومه بل يمتد الى قامات أكاديمية وعلمية كبيرة, في الستينات غنى عبد الحليم لصلاح جاهين أغنية اسمها (صورة)تتحدث عن(اللى ح يبان في الصورة)وفى التاريخ القريب سمعنا عن غضب الزعيم الخالد من تركيز الإعلام على زميله في مجلس قيادة الثورة عبد اللطيف بغدادى ونجاحة في إنشاء كورنيش النيل في وقت قياسي..وغضب الرئيس الأسبق مبارك من ظهور المشير الراحل عبد الحليم أبوغزالة في لقاء تلفزيوني وكان بالغ النجومية والتألق,, عالم مضى لكن أثاره مازالت فاعلة فينا,, الحاصل أننا أمام قيم تجعل( أنا) أولا وثانيا وعاشرا.

******

حين تتحدث الأخبار عن تقاضى المدرب الأجنبي 50 الف دولار في يده وعلى الورق فى العقد يتقاضى 120 الف دولار فسيكون عليك ألا تسأل عن أي شيء أخر بعدها ,, ولتعلم يقينا ان الفساد قد تغلغل في مفاصل اتحاد الكرة كله وستصحبك (حالة الغلغلة) هذه الى البحث عن الطريقة التى جاء بها هذا الاتحاد عبر الانتخابات من عشرات الأندية ومئات الأعضاء ولك أن تتخيل جسدا هذا رأسه ..الأعراض المرضية تملأ هذا الجسد العليل من من زمن طويل ,, من الصراعات النفسية والشخصية بين رؤساء الأندية والقيادات,, الى عدم ضبط جداول المسابقات المحلية ,, الى  غياب مدارس الناشئين ,,الى غياب البعد التربوى والأخلاقي في التنشئة والتوجيه ..
نظرة متواضعة من السادة مسؤولي الرياضة والشباب على الساحات الشعبية التى تملأ مراكز ومدن الجمهورية ..ستجد ألف مجدى عبد الغنى والف أبو ريدة وألف شوبير ..وحوش ترعرعت فى الخفاء.
المجال الرياضى في مصر لا يشكو فقط من الإهمال والتسيب,, الأخطر هو عدم الرقابة الدقيقة على معاملاته وأموره العامة,, صحيفة المصرى اليوم نشرت الأحد الماضى أن أن عددا من نواب مجلس الشعب تقدموا بطلبات إحاطة وبيانات عاجلة وطالبوا بالتحقيق في وقائع فساد داخل الاتحاد كما طالب أحد النواب بطلب إحاطة حول إهدار المال العام واستدعاء وزير الشباب والرياضة

***

هذا عن الطبيعة والواقع والأسباب التى تقدم بين يدى النجاح والفوز ,, لكن ماذا عن ما وراء الطبيعة ؟        وأعنى هنا (الإيمان ),, والإيمان مفهوم واسع يبدأ بالدين وينتهى بالنفس ويمر عبر محطات كثيرة من الوطن الى الشعب الى التاريخ ...الخ ,, أقصد كل ما هو معنوي وعميق في الوعى والوجدان ويشكل ترسانة معرفية راسخة في النفس.
التعاون والالتزام بروح العمل الجماعي و السعي المستمر لاكتساب المهارات الجديدة والخبرات,, الإتقان والدقة في الأداء,, السعي الدائم من أجل التطوير الفكري والمادي وعدم الرضا عن الحال ,,التحديد الواضح للوسائل والأساليب التنفيذية,, الالتزام بتسجيل الأحداث لتكوين ذاكرة تاريخية عن كل مراحل العمل  للتقييم وتحديد نقاط الضعف والقوة,, المحاسبة النافذة عند ارتكاب الخطأ مهما كان حجمه. والمسارعة لتصحيح الأخطاء فور اكتشافها.
كل هذه الأمور وأضعاف أضعافها  يمكن ان يقال في نطاق الاستعداد والفاعلية إلى تؤدى إلى النجاح وبلوغ المراد.. لكن كل ذلك لن يكون له قيمة ان لم يقم على ارض صلبة ويؤسس له تأسيسا صحيحا ,,وكما يقولون اذا أردت البناء عاليا فعليك بالحفر عميقا.

***

تقول المرويات أن الدين الخلق ,,فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في الدين,, ومن نقص عنك في الخلق نقص عنك في الدين..
سيأخذنا الحديث رغما عنا إلى عيب من ابرز العيوب الاجتماعية خلال النصف قرن الماضي وهو ما اصطلح على وصفه(بالهدى الظاهر) أي اذا كان هناك دين وهناك هدى فهناك مظاهر لهذا الدين وهذا الهدى وجرى تعظيم هذه المظاهر,, وعايشناها كلنا ورأيناها كلنا وتابعها بعضنا ,, وصادفت من بعض الناس قبولا خاصا عندهم لذيذا لديهم,, والإنسان في الأصل حر ويمتلك إرادة حرة في مظهره العام واختيار ملابسة وطريقه حديثه مع الأخرين...  والحريات الشخصية فى الإسلام معنى كبير وكبير جدا ,, ويكفى ان أحد (ثلاثة احاديث نبوية)جمعت المفهوم الأخلاقي في الإسلام يتحدث عن ترك المسلم لما لا يعنيه(الحديثين الأخرين عن حب الغير كحب النفس وعن قول الخير أو الصمت)..لكن واقع الحال أن المعاملات والأخلاق لم تكن بالقدر الكافى الذى يعكس هذا الالتزام الدقيق بالهدى الظاهر. وان شئت قل رأينا مظاهر دينية كثيرة لكننا لم نر مظاهر أخلاقية صلبة خلف مظاهر الهدى. ولهذا حديث يطول.. وعفوا لهذا الاستطراد.
الحاصل ان الحالة الدينية والأخلاقية التى رأيناها وسمعناها لدى بعض لاعبي المنتخب كانت بالغة السوء ووصلت إلى حدود مقززة تشمئز منها النفوس العادية ,, ورأينا تساهلا اكثر تقززا يميل الى حدود التطبيع اللاأخلاقي مع الأخطاء. واتضح أن الموضوع عرض ظاهر لعفن ووسخ واسع الانتشار.. واننا على وشك ان نسمع جملة: اهم شيء لدينا الملعب ,,والحياه الخاصة لا تعنينا  ,,هذا ليس جهلا فقط بالأخلاق,, بل جهل بالمعلومات العامة التى يتداولها الناس عن الرياضة والأخلاق من قديم الزمن .وتٌحكى في هذه المسائل الاف الحكايات التى تؤكد هذا المعنى وتطرح سؤال الدهشة الغاضبة.
قديما قالوا من أراد أن يحقق نجاحا فلا غنى له عن : العلم والأدب : فلا يكمل العلم بغير أدب ولا أدب بغير علم        / ولا غنى له عن: التوفيق والاجتهاد: فالاجتهاد سبب التوفيق وبالتوفيق ينجح الاجتهاد.
غياب الفكرة الأخلاقية عن المجال الرياضي من أسوأ ظواهر الخلل في هذا المجال اضافة لما ذكرناه أولا. وللأسف ظهرت واضحة تحت أعيننا لاتصالها بالإعلام والجماهير ..
لكن الواجب يحتم علينا أن نبحث عن حجم ومكان الفكرة الأخلاقية في باقى المجالات . وأخشى ان يكون مكانها حيث لا نحب لوطننا وأهلنا  ومستقبل أبنائنا.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • ظهر

    12:04 م
  • فجر

    03:58

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:40

  • عشاء

    20:10

من الى